Jan 9, 2017

التعذيــب والعزلــة واســتحالة الكتابــة عنهمــا

 خالد سليمان


بعد قضاء ١٣ عاماً في السجون بسبب معارضته نظام الحكم العسكري في أوروغواي في سبعينات القرن المنصرم يخرج الكاتب «كارلوس ليسكانو» من غرف السجون الإنفرادية المعتمة ليرى مدينته مونتيفيديو مرة أخرى، إنما دون الأحساس بجماليات ذلك الفضاء الذي نسميه الحرية. لا العائلة ولا الأصدقاء والبيت ولا العمل والوظيفة، انه الوحيد الوحيد، هذا ما شعر به ليلة إطلاق سراحه عام ١٩٨٥ حيث استرد ذاته في فضاء غابت فيه كل تلك الأشياء التي طالما حلم بها ودخل السجن من أجلها. كانت ليلة خروجه من السجن كما يروي هي الأصعب من بين جميع تلك الليالي التي سبقتها، ذاك انه، بعدما قرر إلغاء فكرة اللجوء إلى أحد بقي لاجـــئاً في التفكير بعزلة لم تجترحه سوى العزلة ذاتها والكتابة. كارلوس ليسكانو، المناضل السياسي وقائد الطائرة والسجين ومعلم الرياضيات، وواحد من أهم وجوه الأدب الأوروغواي اليوم، ولد عام ١٩٤٩ في عاصمة أوروغواي مونتيفيديو وكبر داخل بيت لم ير مكتبة وكتاباً للقراءة كما يكتب في كتابه الأخير «الكاتب والآخر» الصادر في باريس نهاية العام الماضي.
انضم ليسكانو إلى منظمة يسارية متطرفة في أوروغواي كانت تسمى بــ«حركة التحرير الوطني» وعمل فيها بين أعوام ١٩٦٠-١٩٧٠، أعتقله النظام العسكري الذي حكم البلاد طيلة تلك الفترة عام ١٩٧٢. تم إطلاق سراحه عام ١٩٨٥ والتجأ في نفس العام إلى السويد وبقي فيها إلى عام ١٩٩٦. وفي العام ذاته يقرر العودة إلى مونتيفــيديو كي يحــرر ذاته من سؤال يومي يــواجه أي منفي أو مهاجر أو لاجئ إلى أوروبا: ما هي أصولك ؟ لماذا تركت بلادك وهل ترجع لها؟ الضحية والجلاد حين وصل إلى السويد عام ١٩٨٥ كان يسأل ليسكانو عن النهاية التي وصلت إليها حرب فييتنام.

   انه سؤال قد يحمل طابعاً كوميدياً، إنما يعبر عما تخفيه محميات الديكتاتوريات العسكرية ومعتقلاتها وأسوارها المعزولة عن العالم الخارجي. ويخرج من ذات السؤال شخص يحتله أحساس أنطولوجي مقيد بتلك السنين التي قضاها في السجون وتعلم فيها آليات تنظيم العلاقة بين الضحايا والجلادين والقراءة والكتابة وسبل بناء الحوار مع الذات من خلال الآخر. ولكن من هو هذا الآخر الذي يحاوره الكاتب في كتاب بدأ به كمشروع رواية وأنهاه كبورتريهات ذاتية عما يمكن تسميته بأوراق سجن مبعثرة بين مقاومة ألم التعذيب وفوضى عارمة كان الكاتب السجين فيها رهينة جلّاد صنعت منه السياسة الكاذبة روتيناً وواقعاً مألوفاً في حياة الناس.

   ببساطة شديدة كان التفكير بالكتابة لدى ليسكانو في السجن نوعاً من مقاومة الألم، إنما دون عمق فكري وثقافي ولاحتى خبرة كافية تصنع منه كاتباً. ومن هنا يعتبر أن تلك اللحظات التي كان يقاوم فيها روتين الجلاّد اليومي كانت عبارة عن زمنين، واحد للفوضى العارمة من جانب والزمن الآخر لتكوين رؤيته عن عزلة مطلقة أمام التعذيب. يعتبر ليسكانو التعذيب أعلى درجات العزلة، فحين يشعر الإنسان بالعزلة أمام مرض طفله أو الجوع يمكنه ببساطة عمل شيء ما، البحث عن الطعام أو دواء يداويه. ومن شأن هذا فك دائرة العزلة وملء جزء من ذلك الفراغ الذي يشعر فيه الإنسان بأنه وحيد. إنما أمام التعذيب والمُعذِّب فيرى نفسه معزولاً كلياً لا يراه ولا يسمعه أحد. وتستمر هذه العزلة حتى بعد الخروج من السجن إذ لا تتمكن الضحية من العــثور على كلمات أو سرد يلمس حقيــقة ذلك الألم الــذي تتشكل من خلاله العلاقة بين الضحية والجلاّد.

   يصف الكاتب هذه العلاقة التي تتجسد في تعذيب روتيني ليلي بفعل إيروتيكي مبتذل ومقرف، ذاك ان اللعبة تستوجب هيمنة جسد على آخر، وإذا لم يقاوم الجسد الخاضع تنتهي العلاقة. والفعل برمته لعبة يلعبها الإثنان، الجلاّد والضحية، الأول جاهز للتعذيب والثاني لقبول التعذيب ويتكرر المشهد كل ليلة بشكل واحد. وتصل العلاقة أحياناً إلى لحظات يشعر فيها الطرفان بالحميمية تجاه الآخر، الجلاّد يعرف ضحيته ويبدأ باحترامه كلما قاوم هيمنته الجسدية. وما دامت العلاقة مهنية جداً فيقول له: (ليس لدي أية مشكلة شخصية معك ولكن من واجبي أن أعذبك). وفي هذا الإطار يمكن تشبيه التعذيب بلعبة يتخيل فيها كل طرف ردود فعل الآخر، وإن لم يقاوم الضحية يندهش الجلاّد ولا يرى نفسه لائقاً به.

  أدوات كارلوس ليسكانو في «الكاتب والآخر» هي رطوبة الغرف الإنفرادية في سجون أوروغواي، والعتمة والإنضباط الأوتوماتيكي للسجانين والصمت والأسرّة المتحركة التي يضعونها ليلاً ويسحبونها الساعة الخامسة وخمس وأربعين دقيقة صباحاً. ولكن هناك ماوراء هذه الأدوات التي لا تختلف عما تتسم بها سجوننا الشرق - أوسطية، علاقة أخرى، عالم آخر يكتب عنه ليسكانو بدرجة عالية من الدقة والحساسية الإنسانية. انه عالم السجانين، أو الجلاّدين تحديداً وعلاقتهم مع الضحايا ودرجة التزامهم بعملهم اليومي بدءاً بالانضباط وانتهاءً بالتعذيب. السؤال الأول كانت الفكرة في البداية كتابة رواية عما يمكن وصفه باللاشيء أو تكرار تجربة كتاب سابق له بعنوان «عربة المجانين» وهو عن تجربة السجن، أو رواية على غرار «المسخ» لفرانز كافكا. ولكن لا يستحيل عليه الكتابة والتفكير بها. تالياً يترك فكرة الرواية ويقرر الكتابة عن هذه الإستحالة، فيخلق في ذاته شخصا آخر ليحاوره ويتخطى من خلاله تلك الحياة التي فرضها نظام سياسي كذّاب في بلاده. ففي ظهيرة خريف بارد عام ١٩٩٥ يخرج من بيته في ستوكهولم ليشتري قنينة نبيذ يتناولها مع الغداء وفي طريق العودة وهو يحمل نبيذه بين يديه, مخاطباً نفسه بأنه كان يتمنى مثل هذه الحياة في منتيوفيديو. أي ان يعيش ويحب ويرغب ويأكل كأي إنسان عادي على هذه الأرض دون صفات بطولية كالكاتب المقاوم الذي طالما عرف به بعدما كتب كتابه الأول في السجن ونشره عام ١٩٨٧.

   فهو لم يرد ان يُصنَف ضمن كتاب المقاومة ولم يكتب إلاّ لأنه أراد لحياته الشكل الذي اختاره. حين يراجع لغته وأشكال تعبيره في السجن، يكتشف ليسكانو حقيقة الإنسان داخل نظام سياسي كذّاب حيث من الأفضل ممارسة الكذب من أجل المحافظة على نفسه. تالياً، السجين يكذب، يكذب طوال الوقت ويعرف بأن الضابط الذي يقف أمامه يعرف بأنه يكذب. والسؤال بالنسبة له لا يتعلق بكذّاب ذي مصداقية، بل بعدم إثبات حقيقة الكذّاب. يتذكر الكاتب هنا قصة حدثت في السجن مع فتاة أوروغوانية كانت تناهز من العمر ١٨ سنة ويتم تعذيبها من أجل الإعتراف باسمها وهي تقول: لا أعرف ـ نعرف اسمك ولدينا هويتك الشخصية، قولي لنا ما اسمك ـ لا أعرف يتألم ليسكانو بسبب هذا التعذيب الليلي لتلك الفتاة وصراخها أمام الجلاّدين، وفي لحظة يقابلها فيها في ممر السجن ويسألها عن سبب امتناعها عن ذكر اسمها، فتجيب الفتاة: إن قلت لهم اسمي يطلبون مني أشياء أخرى، لذلك أوقفهم في السؤال الأول. نشر هذا المقال في صحيفة "السفير" اللبنانية بتاريخ ٦/٨/٢٠١٠

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...