Sep 1, 2016

موجات الجفاف المتطرفة التي تضرب المنطقة قلّ نظيرها منذ 900 سنة*

خالد سليمان

يتجاوز حجم تأثيرات المياه السياسية، الأمنية، الغذائية، والجغرافيا السكانية، حجم مشكلات الشرق الأوسط الحالية المتمثلة بالإرهاب والاستبداد والصراعات الإقليمية. تشير تقارير دولية عدة إلى شح استثنائي في المياه يضرب المنطقة في السنين المقبلة، وإلى إمكانية حصول جفاف ليس في الأنهار فحسب، بل حتى في المياه الجوفية، ذلك بسبب التغييرات البيئية والاستخدام المفرط لها لأغراض الزراعة والري والصناعة والشرب، إضافة إلى الصراعات الإقليمية بغية السيطرة على مصادر المياه، والإرهاب بطبيعة الحال.
لقد شكّلت المياه، العنصر الأهم في تغييرات جوهرية طرأت على استراتيجيات الإرهاب في الشرق الأوسط، العراق وسورية تحديداً. وارتبط الجزء الأكبر من تلك التغييرات بظهور تنظيم «داعش» إذ حاول بكل الوسائل السيطرة على منابع المياه، من نهر الفرات وسدي تشرين والطبقة في سورية، سد الموصل، والثرثار، والفلوجة في العراق.

كان السبب الرئيس لهذا التغيير هو إمداد المناطق التي سيطر عليها التنظيم المتطرف بالمياه كمصدر رئيسي للبقاء والاحتفاظ بالأراضي التي احتلها، ناهيك عن استخدامها كسلاح ضد السكان والحكومات من خلال التحكم بالسدود. لقد اكتفت المجموعات المتطرفة قبل «داعش» بفكرة الهجوم الخاطف على الحكومات والمجموعات السكانية، ومن ثم الاختفاء في حاضناتها، أما «داعش» فاعتمد الاحتفاظ بالأرض من خلال السيطرة على المياه كمصدر للطاقة والري والشرب، والنفط لإدامة اقتصاد التنظيم.
يرى الوزير العراقي السابق للمصادر المائية لطيـــف رشيد، بأن خطر «داعش» قد تجاوز إفناء الفكر والحضارة وبلغ مصادر الطاقة ومنابع المياه. لقد أراد منذ أن هاجم مناطق شاسعة في العراق وسورية، الوصول إلى آبار النفط وسدود المياه، وهدف ذلك برأيه هو «التحكم بالمياه وجعلها وسيلة تهديد قوية ضد الدولة والمجتمع، إضافة إلى تهريب النفط. فلو سيطر داعش على سد الموصل عام 2014 واستخدمه ضد الحكومة في بغداد، لكانت الأضرار كارثية».
في الأصل كانت المياه مصدر قلق للكثير من الدول المتشاطئة على الأنهار الإقليمية مثل نهري دجلة والفرات اللذين تتقاسمهما كل من تركيا وسورية والعراق. فرغم جميع الإتفاقات الموقعة بين الدول المذكورة، بقيت دولة المنبع صاحبة الكلمة الأقوى في ما خص الحصص. في هذا السياق، يمكن اعتبار سد «أليسو» العملاق على نهر دجلة مصدراً واضحاً للقلق بين البلدان الثلاثة، ذلك انه يؤثر سلباً على كل من سورية والعراق، وقد يؤدي إلى تجفيف بعض من أهوار العراق، ناهيك عن نوعية المياه السيئة التي تدخل البلاد بسبب الملوحة والرواسب. ويعتبر هذا السد ضمن مشروع جنوب شرقي الأناضول المسمى بـGAP إذ تم إقراره في ثمانينات القرن المنصرم وتمت المباشرة في تنفيذ عام 2006 بكلفة أكثر من بليون دولار.
يقدر مختصون عراقيون بأن تبلغ المساحات الزراعية التي ستتضرر نتيجة السد المذكور داخل العراق 696 ألف هكتار، أي تقريباً ثلاثة ملايين دونم من أراضيه. وهو ما يعادل ثلث المساحة الصالحة للزراعة. تالياً، سيدفع ذلك آلاف الفلاحين إلى ترك مهنهم الزراعية والهجرة نحو المدن، إضافة إلى نقص في مياه الشرب وتوليد الطاقة والنشاط الصناعي. كما يمكن أن يؤدي هذا النقص إلى تجفيف الأهوار العراقية. إننا بالتالي، أمام هجرة سكان المناطق المتضررة نحو المدن ومنابع المياه، وستظهر جغرافيا سكانية جديدة تفرضها قلة المياه.
على المستوى الإقليمي، باستثناء اتفاقية السلام الموقعة بين الأردن وإسرائيل بتاريخ 25 آب (أغسطس) 1994 التي تم فيها رسم خريطة الشراكة المائية في ما خص نهري الأردن واليرموك والمياه الجوفية لوادي عربة، ليست هناك إتفاقية أخرى بين الدول في الشرق الأوسط ترسم سياسة مائية واضحة المعالم للشراكة والتوزيع العادل للحصص المائية على الأنهار الدولية. تجدر الإشارة في هذا السياق، بأن الأردن يشكو من عدم التزام إسرائيل ببعض بنود الإتفاقية، بخاصة البند المتعلق بتعاون البلدين لتوفير 50 مليون متر مكعب من مياه الشرب سنوياً. كما ان هناك إخفاقاً من الجانب الإسرائيلي في ما خص «إنشاء مشروع تنقية نهر الأردن بغية إستغلاله للزراعة والري» وفق رأي إيمان فارس وهي صحافية متخصصة بشؤون المياه في صحيفة «الغد» اليومية في الأردن.
باختصار، تشكل المياه في الشرق الأوسط مصدر خوف وقلق على المستقبل، بدل ان تكون مصدر سلام أزرق كما تذهب إليه وتعمل من أجله «مجموعة الاستبصار الإستراتيجية» Strategic Foresight Group. وتعمل المجموعة المذكورة منذ عام 2009 على مشروع السلام الأزرق في المنطقة من خلال مؤتمرات دورية تجمع صناع القرار والمختصين والإعلاميين من تركيا والعراق والأردن ولبنان، ذلك من أجل الوصول إلى مشروع إقليمي يتم فيه اعتماد الأنهار المشتركة كدعائم الاستقرار والسلام والتنمية في المنطقة.

لا سياسة مائية في الشرق الأوسط
على مستوى السياسات الوطنية، تفتقد غالبية الدول في الشرق الأوسط إلى سياسة مائية لمواجهة موجات الجفاف القوية التي تضرب المنطقة. هناك كميات هائلة من المياه تهدر من خلال الري، أو تتسرب بسبب تآكل شبكات التوزيع، إضافة إلى عدم وجود مشاريع تنقية وإعادة تدوير المياه للري والصناعة. يضاف إلى كل ذلك الإزدياد السكاني وتزايد الطلب على المياه.
تعاني سورية منذ أواسط تسعينات القرن المنصرم من ندرة مياه كبيرة. وقد تسبب الجفاف في البلد وفق تقرير أصدره معهد مصادر العالم حول المياه بتاريخ 25 آب 2015 بترك مليون ونصف مليون فلاح ومزارع قراهم ومزارعهم ومصادر رزقهم وتوجهوا إلى المدن بسبب شح المياه، مما أثر سلباً في الاستقرار العام في البلاد.
وأشار التقرير ذاته، إلى تصدر 14 بلداً عربياً لائحة 33 بلداً في العالم تواجه شحاً حقيقياً في المياه بعد عقدين ونيف من الآن. ومن بين هذه البلدان السعودية، البحرين، الكويت، الإمارات، لبنان، فلسطين، قطر، إيران وإسرائيل. كما يشير إلى ان الإدارة السيئة والتبذير وازدياد عدد السكان هي عوامل إضافية لموجات الجفاف التي تضرب مناطق عدة في العالم بسبب الاحتباس الحراري والتغييرات المناخية. وتعد منطقة الشرق الأوسط من بين المناطق الأكثر تضرراً في ما خص الجفاف والنقص الحاد في المياه مستقبلاً.
في موازاة كل ذلك، كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) في شهر آذار (مارس) من هذا العام (2016) عن موجات جفاف متطرفة ضربت منطقة الشرق الأوسط بين 1998-2012، قلّ نظيرها منذ 900 سنة. وفقاً للنتائج العلمية التي توصلت اليها (ناسا) فإن منطقة الشرق الأوسط شهدت منذ عام 1998 تحولات عميقة في تراجع مصادر المياه العذبة، مما ساهم في تفاقم ظاهرة الجفاف.
تأتي هذه التقارير في وقت تتصدر فيه مشكلات الإرهاب والاستبداد والصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط الأولوية. وهي بمجملها مشكلات لا يمكن فصلها عن ندرة المياه والتغييرات البيئية، إذ إن هناك أسباباً كثيرة تقف وراء العلاقة بين المياه والتحولات المتطرفة التي تمرّ بها المنطقة. ومن ضمن هذه الأسباب يأتي عدم وجود مشاريع للشراكة الإقليمية حول الأنهار، سيطرة «داعش» على سدود ومنابع مياه استراتيجية والهجرة نحو منابع المياه أو إلى خارج الحدود الوطنية غالباً.
قصارى القول إن الهجرة نحو المدن، والمناطق القريبة من منابع المياه، بسبب الجفاف والإهمال الحكومي، يفاقم الأزمات السياسية والأمنية والإقتصادية المتراكمة أساساً. وجاء في تقرير للبنك الدولي نشر بتاريخ 4/5/2016 بأن ندرة المياه التي تفاقمت بسبب تغير المناخ، يمكن أن تعيق النمو الاقتصادي، وتحفز الهجرة، وتشعل الصراعات. إنما يمكن لمعظم البلدان تحييد الآثار السلبية لهذه المشكلة من خلال اتخاذ الإجراءات اللازمة لتخصيص واستخدام الموارد المائية في شكل أكثر كفاءة.
لا شيء يؤسس للسلام والإستقرار الدائمين سوى شراكة فعلية في المياه وإبرام إتفاقات، يتم فيها استثمار المياه كثقافة للتعايش والتعاون في مجالات الإقتصاد والتنمية والأمن والبيئة. ويمكن الإستشهاد في هذا السياق بتجربة دول شرق آسيا (تايلاند، لاوس، كمبوديا، فيتنام) حول حوض نهر الميكونغ، وتجربة غرب أفريقيا (سنغال، غينيا، مالي، موريتانيا) حول حوض نهر السنغال.

تدابير لمعالجة الشح
يمكن معظم البلدان على المستوى الوطني، تحييد الآثار السلبية لمشكلة شح المياه من خلال اتخاذ الإجراءات اللازمة لتخصيص واستخدام الموارد المائية في شكل أكثر كفاءة من خلال اعتماد التكنولوجيا الحديثة للري والزراعة، وتحديث شبكات توزيع المياه، ومياه الصرف الصحي واعتماد نظام تنقيته من أجل الصناعة والري، وتقليص الاعتماد على المياه لإنتاج الطاقة، والتوجه إلى الطاقة البديلة، وتشجيع الناس على اعتماد المحاصيل الأقل كلفة للمياه. يضاف إلى كل ذلك استثمار مياه الأمطار وتخزينها، ومواجهة الهدر والتبذير من خلال مؤسسات التربية والتعليم والإعلام. يمكن القول في هذا السياق إن الإدارة المحلية الرشيدة للمياه تساعد الحوار الإقليمي والدولي حولها وإيجاد الحلول للأزمات الناتجة عنها.
إقليمياً، ليس أمام الدول المتشاطئة حول الأنهار، سوى الحوار حول الشراكة في المياه والتخطيط لسلام أزرق يرسم التنمية والإستقرار والسلام. ومن شأن أي تعاون إقليمي في ما خص المياه تخفيف الأضرار الناتجة من الجفاف والندرة بالقطاعات الحيوية مثل البيئة، الزراعة، الصناعة، الطاقة، ذلك ان إصابة هذه القطاعات الرئيسية بالضرر تفاقم أزمات الغذاء والصحة والتنمية، ناهيك عن إشعال فتيل صراعات عنفية هائلة بسبب هجرة البحث عن المياه.
إن التفكير في تعاون مائي إقليمي في الشرق الأوسط على الأنهار العابرة للحدود الدولية أصبح ضرورة إقتصادية، سياسية وأمنية أكثر من أي وقت آخر. فمن دون وجود خطط استراتيجية تضمن حق الجميع في الحصص المائية، تحل الهجرة نحو المنابع والصراعات المحلية والإقليمية والحروب على «الأزرق»، محل الإستقرار والسلم الإقليميين. وتستوجب مشكلات المياه الحالية إلزام القادة السياسيين والمجتمعات والإعلام على تسخير جميع الوسائل للبحث عن حلول تعاونية بغية استدامة إدارة المياه، وخلق مساحة جديدة للسياسية والديبلوماسية، يكون فيها «الأزرق» العنصر الرئيسي لمواجهة التحديات.
إن أية إعادة تفكير بتعريفات المياه، السطحية منها والجوفية، يجب ان تبدأ من مبدأ كونية حق الإنسان والشعوب في الحصول على الماء، كما يحصل على الهواء، وليست له حدود وطنية. ويتطلب مثل هذا التعريف العمل المشترك والإستشارة المتبادلة حول الأنهار والمياه الجوفية والحفاظ على بيئاتها وحمايتها من التلوث والتدخل البشري العشوائي، إضافة إلى أخذ التغييرات البيئية في الاعتبار والحد من تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة. وتشمل إعادة التفكير ذاتها، إعادة رسم الجغرافيا الإجتماعية في ما خص الحصص المائية، وذلك بسبب الأزمة السورية المستمرة منذ عام 2011 ووجود أعداد هائلة من اللاجئين السوريين في الأردن، لبنان، وتركيا والعراق. كما تشمل في السياق ذاته، مشروع اجتثاث الإرهاب، ذاك ان المياه كما تمت الإشارة تشكل جوهر استراتيجية الإرهاب كمصدر للاحتفاظ بالأرض وكسلاح ضد السكان والدول.
*نشرت هذه المقالة في صحيفة الحياة بتاريخ 11/08/2016

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...