Oct 7, 2015

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان 

يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث لا يبقى سوى القليل منه في الأعالي. يعود سبب ذوبان هذه الثلوج التي تغذي أنهار (راين، دانوب، بو، رون) ويعتمدها ١٦٠ مليون نسمة في غالبية أنحاء أوروبا للزراعة والنقل والطاقة والغذاء، إلى التغيير المناخي وارتفاع درجات حرارة الأرض، ناهيك عن الازدياد السكاني حيث تشير الإحصائيات المتوقعة إلى وصول نسبة سكان المعمورة إلى ١٠ ملايين نهاية هذا القرن. 
كانت هذه الصورة بداية لمؤتمر دولي بعنوان “السلام الأزرق” حول دور المياه في السلام والتنمية المستدامة في الشرق الأوسط نظمه Stratigic Foresight Group وجامعة جنيف بالتعاون مع وكالة سويسرا للتنمة والتعاون الاسبوع الثاني من شهر أكتوبر ٢٠١٥. 
هناك صور أخرى عن نقص المياه الحلوة على كوكبنا، تسبق صورة ذوبان ثلوج جبال الألب بنصف عقد أو أكثر، وفي منطقتنا تحديداً حيث يبدو لشح المياه عناوين كثيرة في السنوات القادمة مثل تلوث بيئي غير مسبوق، تغيير سكاني، صراعات محلية وإقليمية على المياه، تراجع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأمن والسلام أيضاً. ففي التقرير الأخير لمعهد مصادر العالم الذي نشر بتاريخ ٢٥ آب ٢٠١٥، تتصدر ١٤ بلدا عربيا لائحة ٣٣ بلد يواجه شح مياه حقيقياً بعد عقدين ونيف من الآن. و من بين هذه البلدان السعودية، البحرين، كويت، الإمارات، لبنان، فلسطين، قطر، إيران و إسرائيل. يشير التقرير إلى ان الإدارة السيئة والتبذير وازدياد عدد السكان هي عوامل إضافية لموجات الجفاف التي تضرب مناطق في العالم بسبب الاحتباس الحراري والتغييرات المناخية، في الشرق الأوسط، إذ يعاني أكثر من أية منطقة أخرى في العالم من حدة نقص المياه في المستقبل. 
ويرى التقرير بأن الجفاف ونقص المياه ساهما في تأجيج “الحرب الأهلية” الدائرة في سوريا منذ ٢٠١١، مضيفاً بأن مليوناً ونصف المليون فلاح و مزارع تركوا قراهم ومزارعهم ومصادر رزقهم وتوجهوا إلى المدن بسبب شح المياه، وقد أثر سلباً هذا التغيير على الاستقرار العام في البلاد.. 
بعد مرور أربع سنوات على أحداث العنف غير المسبوق في سوريا، ولجوء أكثر من أربعة ملايين مواطن سوري إلى العراق وتركيا ولبنان والأردن، أصبحت مسألة توفير المياه للاجئين السؤال الأهم بين جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتياجات الأساسية وبشكل خاص في كل من الأردن ولبنان إذ يعانيان من شح المياه أساساً. الاستنتاج الأول لآثار ندرة المياه في العقدين القادمين في الشرق الأوسط، وفقاً للمحللين هو تغيير سكاني بالدرجة الأولى، ذاك ان السكان في حال شح المياه في مناطقهم، يتجهون للمنابع حتى ولو خارج حدود الوطن وأقاليمهم التاريخية. 
تم التركيز كثيراً في مؤتمر جنيف على ان المياه مثل الهواء تتجاوز حدود الأوطان، لذلك تستلزم أزمات المياه إتفاقات دولية وإقليمية خارج الخارطة الوطنية. أشار اللورد البريطاني جون آلداردايس بأن مشكلة المياه في الشرق الأوسط تقتضي التفكير بالفيدراليات، على غرار الفيدراليات الأوروبية التي استلهمت من تجارة الكونياك بين فرنسا وألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية من أجل إيجاد الحلول للقضايا الأمنية بين البلدين، وتلاها تجارة الفحم والصلب عام ١٩٥١ قبل ان تصبح البذرة الأولى لمشروع الاتحاد الأوروبي بالشكل الحالي. يرى اللورد البريطاني بأن المياه في الشرق الأوسط يمكن ان تكون بنية تحية لمشروع فيدراليات شرق-أوسطية.
العراق على الخط الأحمر
إن المشكلات الحالية التي يعاني منها العراق في ما يخص المياه، تتمثل في نوعية المياه و كميتها، ارتفاع نسبة الملوحة، الهجرة نحو المدن الكبيرة بسبب التصحر، انتشار الأمراض (الكوليرا في الآونة الأخيرة)، مشكلة الإرهاب واستخدام المياه كسلاح ضد السكان من قبل المنظمات المتطرفة، داعش تحديداً، تأثير المشاريع التركية على تدفق كمية المياه ونوعيتها إلى البلاد. كل هذه المشكلات تستوجب إعادة رسم السياسة المائية في العراق، ليس خارجياً فقط، بل في السياسة الوطنية أيضاً ؛ وذلك من خلال إدارة رشيدة والاستعانة بالتكنولوجيا الجديدة وإيجاد الحلول للمناطق التي تعاني من ندرة المياه قبل ان يهجرها السكان. وفي ذات السياق تشير غالبية التقارير والدراسات المتعلقة بالمياه في الشرق الأوسط إلى الإدارة السيئة والتبذير والتلوث الناتج بسبب النشاط غير الواعي للسكان المحليين.. تبرز خارج الحدود الوطنية عدة مشكلات متعلقة بالمياه بين العراق وتركيا من جانب وبين العراق وإيران من جانب آخر. تتحكم تركيا رغم الاتفاقات الموقعة مع جارها الجنوبي وبياناتها الرسمية بضخ المياه ونوعيتها، وتشير توقعات مراكز الدراسات الخاصة بمستقبل المياه إلى إمكانية تعرض نهر الفرات إلى جفاف كامل بحدود ٢٠٤٠ بسبب كل تلك السدود التي بنتها تركيا عليه، ناهيك عن المشاريع السورية على النهر ذاته، ولا ننسى العوامل الطبيعية مثل التغيير المناخي و موجات الجفاف التي أصبحت عنواناً دائماً للمنطقة، وانتشارا واسعا للمخلفات الصناعية والبشرية في حوض النهر. ويؤثر أي خلل في النهر على قسم كبير من الأهوار العراقية التي تعتبر واحدة من أهم مصادر التنوع الحيوي ليس في العراق فحسب بل في المنطقة كلها. كما هناك مشكلات متعلقة بالمياه مع إيران على أنهار كارون والوند وسيروان وأنهار أخرى تعتمدها مناطق واسعة في العراق لإنتاج الغذاء والطاقة والري. وتعتمد سياسة إيران المائية، وهي من الدول التي ستشهد ندرة مياه غير مسبوقة في العقود القادمة، تغيير مجرى الأنهار نحو المناطق التي تتعرض للجفاف.
ستراتيجية جديدة 
قصارى القول، يحتاج العراق اليوم الى سياسة مائية جديدة ترتقي إلى مستوى الأخطار التي تحدق بمستقبل البلاد. سياسة تعطي لوزارة الموارد المائية ليست الأهمية الفنية فحسب، بل الأهمية الستراتيجية في رسم الخطط المستقبلية لمواجهة الجفاف. كما ان البلاد بحاجة إلى معهد للدراسات الستراتيجية في ما يخص المياه، ذاك الجامعات العراقية باستثناء دراسات متفرقة لم تركز على أزمات المياه القادمة وتأثيرها على الغذاء والتنمية والبيئة والتغيير السكاني في البلاد ؛ وما يحتاجه الباحثون والصحفيون عن المياه لإسناد دراساتهم وقصصهم الصحفية يلتجئون إلى الدراسات الأوروبية والأمريكية، أو الدراسات التي انجزت بتمويل المؤسسات العالمية. وفي ذات السياق، تقتضي مسألة المياه إعادة صياغة دور الإعلام الوطني بجميع أصنافه المرئية والسمعية والمكتوبة، إضافة إلى الإعلام الاجتماعي، ذاك ان التوعية الاجتماعية العامة حول إدارة المياه في الاحتياجيات اليومية التي يلعب الإعلام دوراً حيوياً فيها، لا تقل أهمية عن إدارة الأنهار والبحيرات والأمطار الموسمية، والاتفاقات الدولية بطبيعة الحال. هناك ستراتيجيات جديدة تعتمدها دول في أفريقيا وآسيا في ما يخص التوعية العامة حول المياه، منها تفعيل دور المجتمعات المحلية، السكان القريبين من الأنهار والأحواض المائية تحديداً، لحماية هذا المصدر الحيوي من التلوث والتبذير والهدر، وذلك من خلال مراكز ومنظمات وجمعيات مدنية والمراقبة اليومية للحالة الصحية للمياه، أي ان السكان يصبحون لسان حال الأنهار والمنابع. و لا ننسى هنا الإشارة إلى دور نظام التربية والتعليم في حماية ثروة المياه، ذلك من خلال إدخال الوعي البيئي إلى مناهج التربية في جميع مراحل الدراسة من ضمنها مرحلة الروضة.. 
تعتبر عملية إعادة تدوير المياه لأغراض صناعية و سقي الحدائق والأشجار واحدة من الوسائل المتاحة من أجل الحفاظ على المياه الحلوة التي يزيد سعرها في العراق من سعر وقود مثل “البنزين”، ففي حين يصل سعر ليتر واحد من البنزين إلى ٤٥٠٠ دينار، يزيد سعر ليتر من المياه ٥٠٠ دينار. 

إضافة إلى كل ما ذكر، يحتاج العراق اليوم إلى تشريعات جديدة في البرلمان لقوننة المياه وسبل حمايتها وطنياً و إقليمياً، آخذاً بنظر الاعتبار جميع الدراسات والبحوث الوطنية والدولية حول أزمات المياه القادمة وتأثيراتها على التنمية والغذاء والصحة والسلم الاجتماعي “المفقود” أساساً. كما انه بحاجة إلى تكوين فريق وطني من الخبراء والإعلاميين والسياسيين لمفاوضات السنوات القادمة مع دول الجوار، ذاك ان الذهب الأزرق يحل محل الذهب الأسود بعد عقدين أو أقل، فلا يجوز إلاّ إبقاء دجلة والفرات.

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...