Nov 8, 2015

كردستان العراق: نمر الرافدين عاد قطاً وتقسيم الإدارة صار وارداً

خالد سليمان
الجمعة، ٦ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٥
المشهد السياسي في كُردستان العراق، يعيشه الجميع، ولا يفقه منـــه الجميع شيئاً. يتحدث الكل عن التحــولات، وعن معلومات دقيقة عمـــا يحصل في المطبخ السياسي، إنمـــا لا أحـــد يتنبأ بما يحصل، ذلك أن الحقـــبة الأخيرة التي طالما سميت بــ«الازدهار الكُردي» في الفوضى العــــراقية، بدت على شاكلة نمـــر أنهكه الصيد في فصل الجفاف.
كان الفصل الأوضح من الجفاف السياسي الكُردي، هو «معضلة» النظام السياسي، الذي يتضمن قانون انتخاب رئيس الإقليم من دون الإعلان عنه رسمياً في الصحافة الحزبية. فقد عمل الحزب الديموقراطي الكُردستاني برئاسة مسعود البارزاني باتجاه النظام الرئاسي، فيما جمعت جبهة الاتحاد الوطني الكُردستاني وحركة التغيير والجماعة الإسلامية والاتحاد الإسلامي (الإخوان) كامل طاقتها من أجل تغيير قانون انتخاب الرئيس وصلاحياته وفقاً للصلاحيات التي يمنحها له البرلمان. انسحب قسم من الإخوان المسلمين وانضموا للحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي والحركة الإسلامية، من دون إعلان موقف رسمي، إنما أدى خروجهم من الجبهة إلى عدم اكتمال النصاب القانوني في الاجتماع الأخير لبرلمان الإقليم (١٩ آب - أغسطس ٢٠١٥) حيث كان من المقرر فيه، تغيير قانون انتخاب الرئيس وجعل النظام السياسي برلمانياً.

أصرّ الحزب الديموقراطي على ولاية جديدة للبارزاني في رئاسة الإقليم بعدما تم تجديد ولاية أخرى له في (٣٠ حزيران/يونيو ٢٠١٣)، وقد بقي في سدة الرئاسة قبل ذلك لولايتين متتاليتين منذ ٢٠٠٥ إلى عام ٢٠١٣. وفي جلسة برلمان الإقليم لتجديد ولاية ثالثة للبارزاني، تجرع الاتحاد الوطني الكُردستاني كأس مراً إذ تراجعت شعبيته بسبب ذلك، وخسر أمام منافسه (حركة التغيير) في انتخابات عام ٢٠١٣ في معقله التاريخي مدينة السليمانية. وفي الجلسة ذاتها أعلن الرئيس المجدد له في بيان رسمي نشر في موقع رئاسة الإقليم، انه «إلى حين بدء الدورة الرابعة لبرلمان كُردستان أعمالها والتوصل إلى توافق، أعلن لشعب كُردستان بأني أتحمل مسؤولية الواجبات والأمانة التي على عاتقي تنفيذها، ومن ثم نسلم المسؤولية إلى أي شخص آخر يفوز بثقة الشعب». (موقع رئاسة إقليم كُردستان ٣٠/٦/٢٠١٣).
انتهت الولاية ووقفت كتلة «الديموقراطي» في البرلمان ضد أي إصلاح في ما خص قانون انتخاب الرئيس وصلاحياته في الدستور، وأصبح شعار «لا بديل للرئيس» في الوقت الحالي، عنواناً للبحث عن تجديد لولاية أخرى من خلال «التوافق». من هنا بدأت الأزمة الحقيقية، حيث كان يسأل الجميع، هل يحل «التوافق الحزبي» محل البرلمان الذي عطل «الإخوان المسلمون» جلسته الأخيرة.
ما حصل في الأسابيع الأخيرة كان ضد جميع التوقعات التي كانت تدور في فلك فكرة «التوافق» بعدما ذُيلت صلاحيات البرلمان الدستورية والقانونية بسياسات «التخدير الموضعي»، الحزبي بطبيعة الحال. تزامناً مع السجال السياسي حول شرعية بقاء السيد مسعود البارزاني في سدة رئاسة الإقليم من دون قرار من البرلمان، أصبحت أزمة الإقليم المالية المتمثلة بعدم قدرة الحكومة المحلية على دفع رواتب الموظفين وتوقف المشاريع الاستثمارية، وذلك بسبب الخلافات مع الحكومة الاتحادية في ما خص قانون النفط والغاز وعقود نفطية طويلة الأمد أبرمتها الحكومة الإقليمية مع تركيا من دون العودة إلى الحكومة الاتحادية، أصبحت جزءاً من «معضلة» رئاسة الإقليم.
في سياق الأزمة ذاتها، ظهرت معلومات أدلى بها برلمانيون في جبهة «النظام البرلماني» مفادها أن الأزمة المالية ترتبط بالأزمة السياسية، وما هي إلاّ ورقة ضغط تستخدمها جبهة «النظام الرئاسي» المتمثلة بالحزب الديموقراطي الكُردستاني لتمديد ولاية البارزاني الرئاسية للمرة الثانية. كان هذا كافياً لتفجير المشهد السياسي وظهور احتجاجات يومية في قطاعات حكومية. وقد أدت الاحتجاجات إلى سقوط قتلى وجرحى بين المتظاهرين وقوات الأمن والشرطة.
كانت الصورة ما قبل الأخيرة من المشهد السياسي، قيام «الديموقراطي» الذي يسيطر أمنياً وعسكرياً على عاصمة الإقليم أربيل، بطرد الوزراء التابعين لحركة التغيير ومنع رئيس البرلمان من التوجه إلى مقر عمله إذ أرغمته نقطة «تفتيش» أمنية على العودة إلى مدينة السليمانية. يذكر أن الحزب الديموقراطي قرر في اجتماع مكتبه السياسي بتاريخ ١٢/١٠/٢٠١٥ برئاسة رئيسه مسعود البارزاني طرد رئيس البرلمان ووزراء حركة التغيير من عاصمة إقليم كُردستان، متهماً الحركة بالوقوف وراء الاحتجاجات ضد الحكومة، والهجوم على مقراته الفرعية في مدن الإقليم.
التطور الأخير في الإقليم، تمثل في قرار «الديموقراطي» إغلاق جميع الأبواب أمام أي حوار مع «التغيير» من شأنه حلحلة الأزمة السياسية؛ مما قد يعيد السؤال إلى دائرة السياسة الكُردية الضيقة عن: هل يعود الإقليم إلى مربع تسعينات القرن الماضي الأول اذ كانت هناك إدارتان سياسيتان للإقليم عرفتا بالدائرة الصفراء تحت سلطة «الديموقراطي» والدائرة الخضراء تحت سلطة «الاتحاد الوطني»؟
يرفض الجميع هذا الخيار، إنما الواقع السياسي يشير إلى ذلك بقوة، خصوصاً بعد طرد حركة التغيير وقنواتها الإعلامية وقنوات إعلامية أخرى انتقدت سياسة «الديموقراطي» من العاصمة أربيل وتعزيز نقاط التفتيش العسكرية بين هذه الأخيرة والسليمانية.
قصارى القول ان معضلة السلطة في كُردستان تتمثل بسردية قومية ممزوجة بقيم العائلة والعشيرة، لم تتجاوز عتبة «التأسيس». فبعد عقدين ونصف عقد من الصراعات والاقتتال الداخلي والتصالح وتوزيع المصالح والافتراضات السياسية كالتنمية والديموقراطية والأمن، بدت لغة النخبة السياسية في كُردستان هذه الأيام، خشبية أكثر من وقت آخر مضى، وظهرت شعارات جعل المنطقة نموذجاً للديموقراطية والتداول السلمي للسلطة طائرات ورقية تحرك خيوطها رياح تركز آليات شخصنة السلطة.
انتهت حقبة سياسية طال عمرها ربع قرن من دون اجتياز مرحلة التأسيس المتمثلة بإقرار الدستور والنظام السياسي، وقد ينتهي معها دور نخبة أصبحت نمور أفكارها وأحلامها قططاً.

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...