Feb 1, 2015

سيلفيز.. النرجسية والنسيان


خالد سليمان 

في ليلة رأس السنة الجديدة (هذا العام ٢٠١٥) وفي غمرة الاحتفال والرقص وسطوة النبيذ على المكان، كانت هناك شابة في مقتبل عمرها جاءت مع والديها للاحتفال مع الآخرين.
في لحظة تشكلت فيها رقصة دائرية ممزوجة بالدبكة الكُردية التقليدية، استفردت بذاتها في زاوية من قاعة الاحتفال لتبتسم أمام هاتفها الذكي وتصور نفسها وحيدة، مبتسمة، وغائبة بطبيعة الحال، ذاك انها كانت تفكر بـ "سيلفيز"، أي البورتريهات الشخصية وعالم الأنترنيت الافتراضي وليس بواقعها الاحتفالي..

دفع مثل هذا الحدث “الصامت” وغيره في أنحاء العالم القاموس الإنجليزي الشهير أوكسفورد في شهر آب "أوغست" ٢٠١٣ إدخال كلمة سليفي أو سيلفيز ضمن الكلمات والأسماء الجديدة التي يحتويها القاموس كل عام في طبعاته المتجددة. وتعريف "سيلفيز" وفقاً لأوكسفورد هو صورة يلتقطها شخص لنفسه، بجهاز هاتف ذكي أو "ويبكوم" تحديداً وينشرها على مواقع الإعلام الاجتماعي: ويذيل القاموس تعريفه بجملة إضافية مفادها، سيلفيز أو البورتريهات الشخصية مقبولة في المناسبات، ولكن نشر صورة جديدة كل يوم ليس ضرورياً.
لم يكن "سيلفيز" تجديداً في اللغة ولا اكتشافاً، بل كان ظاهرة صورية فرضتها التكنولوجيا المنفلتة في ابتكاريتها، إنما كان في ذات الوقت توق الإنسان إلى (الأنا) الراغبة في الاستفراد بتفاصيل لحظات يسميها البعض بروح الشباب المستبدة، إذ لا يتسع لها الواقع بفضاءاته المتعددة وتذهب لأبعد نقطة استغراب مثل التقاط صور "سيلفيز" في مشهد متسم بعناصر المأساة. لقد أصبحت لحظة "سيلفيز" ان صح التعبير ذات دلالة ليست فردية فحسب، بل استعراضية وفصامية في آن واحد، في الحالة الأولى يحكم منطق "الفرجة" سيطرته على قرارات الشخص، وينسى تالياً، خصائص بيئته، وفيها تواجده بطبيعة الحال. وفي الحالة الثانية ينفصل الفرد عن الكُل وعن ذاته ضمناً، ذاك ان رغبة إعلان وجود "أنا" وحيدة بين حشد أو في مكان عام، تتجاوز فكرة البورتريه الشخصي وتدخل عالم الأنانية المفرطة. 
صور هنا، صور هناك، صور في كل مكان، لنجوم السينما والرياضة والسياسيين، حتى رجال الدين لم ينج من "سيلفيز، ذاك ان الصورة تحيطنا باستعراض للحقيقة، إنما الأكثر تأثيراً من الحقيقة ذاتها. فالاستعراض بالنسبة للمفكر الفرنسي "غي ديبور" ليس مجموعة من الصور، بل انه علاقة اجتماعية محاطة بالإعلام بين الناس من خلال الصور. وقد عبر الفيلسوف الألماني (فويرباخ) في مقدمة كتاب (جوهر المسيحية) عن هذا التوجه في تقديس الصورة قائلاً: ""دون شك، يفضل زمننا الصورة على الشيء، النسخ على الأصلي، التمثيل على الواقع، الظهور على الوجود..المقدس بالنسبة له ليس سوى الوهم، إنما الوثني فهو الحقيقة. المقدس يكبر بعينيه بمقاسات تقلص الحقيقة وتنمي الوهم، حسناً، فالامتلاء بالوهم بالنسبة له هو الامتلاء بالمقدس.". 
من حيث الجوهر يحتل "سيلفيز" محل المرآة لدى الإنسان المعاصر ويكشف عن لحظات كانت تتميز بنوع من السرّية والنرجسية بقيتا في دائرة علاقة المرء بالمرآة. وقد أخرجت التكنولوجيا الحديثة هذه العلاقة الحميمة التي تربط الإنسان بصورته من غرف النوم والاستحمام إلى فضاء استعراضي أبطاله أفراد، إنما في جسد الحشود. ويمكن القول بأن هناك "دبل سيلفيز" ان جاز الاستخدام، فالتقاط صورة شخصية أمام المرآة يظهر فيها الذات المُصَوَرة وجهاز التصوير والمرآة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي هو نقل رغبة الكشف عما يمكن وصفه بأعالي النرجسية، إذ يعيشها الإنسان المعاصر بمحض إرادته، إنما في ظل هيمنة "المجتمع الاستعراضي".
تالياً، تصوير الذات هو نوع من الانفصال عن المجتمع، الاستغناء عن العلاقة الاجتماعية، انه يعبر بشكل واضح عن سرعة حركة الانفصال الخاص عن العام وجاذبيتها التي لا تحتاج سوى حساب على إنستغرام أو تويتر أو فيسبوك. جميع النظريات الفكرية والفلسفية والنقدية في ما خص المجتمع والتاريخ والسياسة والدين، أصبحت اليوم صور تمحي فكرة "النجومية" أحيانا، ذاك ان ان التكنولوجيا الحديثة اختصرت المسافات بين المجتمع ونجومه، كما فتحت المجال أمام شكل من أشكال "التماهي" الممكنة بينهما. 
كان "الويبكوم" مرحلة متقدمة من التفاعل "المُتكلج" بين الإنسان وذاته، وجاء الهاتف الذكي ليخرج التفاعل ذاته من بين جدران الغرف والمكاتب ليجعل منه فضاءً مفتوحاً، تتحرك فيه الأجهزة الخليوية أمام الجسد، فيما كان "الويب" يتميز بشيء من الثبات أمام الجسد. وقد هيمنت ثقافة الجسد الشبابي على الصورة في عالم الأنترنيت وأصبح جسد الكبار في طي النسيان. 
مارنا كلارك وهي مصورة أمريكية (٧٤) عاماً ترى بأن " ثقافة عبادة الشباب تجهل الكبار في السن وتنسيهم"، ويشكل "سيلفيز" مرحلة متقدمة من هذا التجاهل، يبدو فيه الجسد الشباب في حالة الخلود. صورت مارنا نفسها عارية في زوجها (إغنور) في بيتهما حيناً، وعلى الشواطئ حيناً آخر. وكان الشيء الصادم في صورهما العارية، انهما وصلا مرحلة من العمر لا تسمح لهما بالعري، والسبب برأيها، "ليس لدى الناس الاستعداد كي ترى صورا عارية لجسد عجوز". وللسبب ذاته اخترقت آرنا الصورة النمطية عن الكبار في السن وبدأت بمشروع بورتريهات شخصية وثنائية مع زوجها قبل خمس سنوات حين كانت تناهز من العمر ٧٠ عاماً. وتقول حول مشروعها "أردت أن أرى ماذا يشبه شخص عجوز وبدأت بتصوير جسدي عارياً، القدمين، اليدين، الذراعين، الساقين، الوجه، الشعر، أردت الصور بين يديّ وليس في المرآة.". 
تفتح صور مارنا كلارك الشهية لتمر على ثقافة سائدة تنظر للجسد وفقاً للعمر ولا تعطيه القيمة والأهمية، لذلك تصور بورتريهات عارية جميلة لنفسها، أو أوضاعاً في يومياتها. وتقول جرأتها حين قررت نشر الصور، "جمعت شجاعتي الكافية لإعطاء هذه الصورة لمجموعة مستقاة من الأشخاص الذي يقدّرون عملي. لقد شجعوني بنوع من الارتباك والحيرة. وتشرح مارنا في حوار خاص مع موقع (هوفتنتن بوست) العالمي كيف أخرجت الصور من الدوائر الخاصة والمحرّمات الثقافية، وفيها الشيخوخة والعري والموت.
تستمتع مارنا بجمع صور شبابها وإظهار خطوط ورسوم بيانية تبين آثار العمر في حده الأدنى، إنما الأفضلية للقطات القريبة غير المُزينة، يد هنا، ظهر هناك. رغم سطوة ثقافة عبادة الشباب، تتمنى مارنا التألق والتغلب على تجاعيد العمر من خلال تقدير الكبار في السن بعضهم البعض وترك أفكار عفا عليها الزمن.
رغم اختلاف صور مارنا عن بورتريهات شخصية تلتقط بأجهزة ذكية وتنشر على شبكات التواصل الاجتماعي، يمكن قراءتها في سياق تحول لم يبق في دائرة النقاش الأكاديمي والثقافي في ما خص تأثير الصورة على الفصام الاجتماعي الذي يتسم به عصرنا الراهن. فصور المصورة الأمريكية تحاول ترميم تجاعيد العمر وملء تلك المسافات الزمنية والمكانية التي فرضتها الحياة المعاصرة، وفيها ديكتاتورية التكنولوجيا، في ما يلحق "سيلفيز" مساحات إضافية لثقافة عبادة الذات والنرجسية حتى في أعالي الحزن.
قيام شباب في استراليا بنشر بورتريهات شخصية "سيلفيز" لهم أمام المقهى الذي احتجز فيه رجل مسلح عددا من المواطنين كرهائن أواسط الشهر الأخير من العام الماضي (ديسمبر ٢٠١٤)، هو النموذج الأوضح لمثل هذه النرجسية التي تقيم في الصورة أكثر من شيء آخر. وقد قام شباب وشابات أمام المقهى الذي احتجز فيه رجل مسلح مجموعة من المواطنين في مدينة سيدني، وفي محيط الشريط الأمني الذي وضعها شرطة المدينة بالتقاط صور شخصية ونشرها على مواقع انستغرام وتويتر. وفي ٧/١/٢٠١٥ قام طالب جامعي بالتقاط بورتريه شخصي له أمام مكاتب الأسبوعية الفرنسية الساخرة (شارلي إيبدو) التي تعرضت لـهجوم إرهابي ونشره على جداره الخاص على شبكة فيبسوك الاجتماعية، معلناً انه موجود في المكان وحده. لقد أدت مثل هذه التصرفات إلى انتقاد عدد كبير من مستخدمي الأنترنيت نشر تلك الصور أمام المقهى الأسترالي ومكاتب الأسبوعية الفرنسية، إذ تعرضت الناس فيهما للإرهاب ووصفت صحف استرالية وبريطانية تلك الصور بــ "بورتريهات العيب"، ذاك ان أصحابها لم تحترم مشاعر الرهائن داخل المقهى والمجلة الفرنسية ولم تفكر سوى بصورة ونشرها على المواقع الاجتماعية في تلك اللحظة.

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...