Jan 14, 2015

الفاشية باقية وتتمدد...

خال سليمان
٧/١١/٢٠١٤
ما كتبته الكاتبة اللبنانية بيسان الشيخ (بحثاً عن «أيديولوجيا سياسية» تسد ذلك الخواء، ليس بالمال والسلاح وحدهما تُهزم «داعش»)، الحياة ٢٥/١٠/٢٠١٤، عنوان واضح للهزيمة الثقافية والأخلاقية، ناهيك عن السياسية، التي تمرّ بها المجتمعات قبل الأنظمة. و»السلوك الظرفي» بين الشباب إذ تشير إليه الكاتبة في سياق الحديث عن التحولات المجتمعية بين الديكتاتورية والداعشية، ليس سوى تقليد الوعي الداعشي أو انه وعي نمطي طالما لوحت به الاستبداديات العربية «للأبناء الصالحين»، ويتحول أغلب الأوقات إلى عتبة العالم الفاشي، وما كان سلوك أصحاب «القمصان السود» في إيطاليا عقد الثالث من القرن العشرين إلاّ ظرفياً.

لا يزال هناك تيار داخل الأوساط السياسية والثقافية العربية لا يقرأ «السلوك الظرفي» إلاّ في سياق ظرفيته وبمقاسات «الثورة باقية وتتمدد»، ويستخلص مفرداته من التاريخ السردي للأحداث حيث يهيمن الوعي الظرفي على التاريخي والمستقبلي. ففي المناهج الدراسية وكتب التاريخ ووسائل الإعلام العربية (مع استثناءات) لا هزيمة إلا وتلاها نصر، فيه تستعاد الحقوق لأصحابها، وهزيمة حزيران ١٩٦٧ نموذج. واقتضاباً، فالسلوك الظرفي شكل من أشكال الإنهاء للهزيمة سياسياً واجتماعياً. ففي حين تتجسد فعالية «داعش» على هيئة كائن وقف على قدميه يتمدد قتلاً ورعباً، تراجع التيار الوطني الديموقراطي، وأصبح بعض من قياداته ورموزه منظرين للسلوك الظرفي وإمكانية استعادة المبادرة إن ساعد الغرب المعارضة السورية «المعتدلة» بالمال والسلاح.
لقد استلزمت الفاشيات الأوروبية في النصف الأول من القرن العشرين، المال والسلاح بعدما وقف الكائن الفاشي على قدميه وأبدى قدرته على ضرب الجميع وجعل «السلوك الظرفي» سلوكاً لحشود مخيفة ودائمة. تالياً، كان الردع العسكري للفاشية بعدما جلبت العار على الثقافة والحضارة الأوروبيتين، وتلاه الردع الثقافي والأخلاقي، وكانت الخطوة الأولى فيه فتح سجال فكري وتربوي واجتماعي حول استفحال الاستبداد، وولادة التوتاليتارية بالشكل الذي ولدت فيه وكبرت في أوروبا. وكان إصلاح نظام التربية والتعليم إحدى النقاط المهمة التي ظهرت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا، ومنه ترميم الذاكرة المرّة المتشبعة عن حربين عالميتين.
ما يحدث في سورية والعراق اليوم، إذ ظهر فيهما «العار» بسبي النساء الإيزيديات في سنجار وبيعهن في سوق العبودية واعتبار بيوت المسيحيين في الموصل عقارات للدولة الإسلامية، وفرض قيود داعشية على مسيحيي مدينة الرقّة وذبح الجنود اللبنانيين والقتل الجماعي للأسرى الشيعة والعشائر السنية في الموصل وصلاح الدين والأنبار والرقة ودير الزور...الخ من مشاهد الرعب الداعشي، يشير إلى أن هناك فاشية دينية في العالم الإسلامي، لم تقف على قدميها وتجلب لنا العار فحسب، بل تمددت وأصبحت على عتبة جلب المزيد من العار.
تالياً، هل يمكن التفكير بمجابهة ثقافية، أخلاقية وتربوية، أمام هذه القوة الفاشية قبل التفكير بردع عسكري وشلَ قدرتها المالية والبشرية كي لا تتمدد أكثر وتؤسس واقعاً جديداً لا رجعة عنه في المنطقة؟. لقد حارب المثقفون وبعض النخب الحاكمة في العالم العربي التدخل الأجنبي في أفغانستان والعراق، ولا يزال هناك من يحارب التدخل الدولي في العراق وسورية ضد التمدد الداعشي تحت يافطة «السيادة الوطنية» فيما تنتهك حياة الأفراد والمجموعات قتلاً وذبحاً وسبياً وعبودية.
قصارى القول، إن «داعش» تجاوز جميع العناوين المتعلقة بالإرهاب وأسس عالماً جديداً، فيه السبي وتجارة العبيد والجنس وجهاد النكاح...الخ. وهل يمكن تالياً، مواجهة هذا العالم المعبأ بجميع عناصر القسوة، فيما يقابله تفكك اجتماعي مصدره هويات طائفية ودينية وعرقية، وهل يمكن الحديث عن هوية جامعة، أو «روحية جامعة» تشدّ عصب الجماعة وتحضها على الدفاع عنها والقتال من أجلها كما تذهب بيسان الشيخ؟.
لا شيء يشير في هذا القول إلى مثالية، إنما واقع الهويات القاتلة في عالمنا يحيل إلى استحالة أيديولوجيا أو روحية جامعة لردع الفاشية، كما أن الأقليات الدينية والعرقية والاجتماعية التي تركها القوميون العرب والكُرد، كما تركها «الإخوان المسلمون» وقوى المجتمع الأكثرية قبلهم، لقمة سهلة للجزية والسبي والعبودية، أصبحت خارج الجماعات، ذاك أنها في طريقها إلى المنافي أو الفناء، أو أنه تمت التضحية بهم «أمام تلك المهمات العظيمة والتاريخية التي رصد الناس أنفسهم لها»، كما تكتب بيسان.
ويصعب إرجاع سبب مقاومة كوباني إلى طغيان الهوية العرقية ونسيان الهوية السياسية والأيديولوجية. فالمقاتلات والمقاتلون في كوباني ينتمون إلى حزب قومي-يساري (حزب الاتحاد الديموقراطي) خرج من معطف حزب العمال الكُردستاني إذ يؤسس لمقاتليه ومقاتلاته وأعضائه، مع الأيديولوجيا والتثقيف الثوري، عقيدة عسكرية لا تعترف ولا تلتزم بالحدود الدولية المرسومة للمنطقة بعد الحرب العالمية الأولى. كما أن العمال الكُردستاني يقاتل ويقاوم، لأن جغرافيا «داعش» الجديدة في الشرق الأوسط تشكل كُردستان عصبها، فيما الكُردستاني يعيد إنتاج خطابه الفكري والأيديولوجي في ذات الجغرافيا الممزقة دولياً. إنها تالياً، حرب أيديولوجية تتقدم على الهوية العرقية.
*نشر هذا المقال في ذات التاريخ في صحيفة الحياة اللندنية 

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...