Dec 26, 2013

على خطى نظام بن علي "النهضة" تريد القضاء على تراث بورقيبة

تونس-خالد سليمان

حين سألته عن قدرة "النهضة" الإسلامي في الاستمرار بالحكم وترويض المجتمع التونسي وفقاً لتوجهاته الآيديولوجية، أجابني  بكل وضوح قائلا، " المجتمع التونسي مثل جدار سميك أمام حزب النهضة، لا يستطيع أحد إلغاء تلك المؤسسات والحقوق المدنية التي أسسها بورقيبة، لا النهضة ولا غيرها".‬
‫وفي شارع بورقيبة، تعيد ريم وهي امرأة تونسية تركت الوظيفة الحكومية لتؤسس لنفسها "بوتيك" خاصا ذات الكلام الذي قاله لطفي في الطائرة وتقول مع تناول قهوتها، "شخصياً ليس لدي مشكلة ان حكمت حركة النهضة أو غيرها، إنما لا يمكن إحداث أية قطيعة مع تلك الحقوق التي تم توفيرها لنا كنساء تونس، أي حكم يريد محو إنجازات بورقيبة نقف أمامها كجدار اجتماعي بكل تأكيد".‬
‫كان النهار الذي وصلت فيه إلى تونس العاصمة، اليوم الأخير لمهرجان قرطاج المسرحي وقد نقلت إدارة المهرجان جزءاً من الاحتفال النهائي للمهرجان إلى شارع بورقيبة حيث الرقص والغناء واستحضار الموروث الشعبي الاحتفالي. النساء والرجال يملؤون البرد والشارع بمشهدية يمكن تسميتها بمشهدية الجسد الراقص. سألت نفسي لحظتئذ هل هذا هو الجدار السميك الذي تحدث عنه لطفي وريم؟. قادني هذا السؤال إلى مقهى و بار قريب لمراقبة المشهد الاحتفالي على بعد أمتار منه.

 ألتقي بأستاذ جامعي داخل المقهى ونبادل الحديث عما يجري في تونس ما بعد بن علي. لقد كنت
فضولياً لمحاورة شخص ما يعبر عما يمكن تسميته بالمشهدية الجسدية وحشود المقاهي والبارات، وكان الأقرب لفضولي في بلد أزوره للمرة الأولى هو هذا الأكاديمي (وليد) حيث كان يتناول القهوة مع زوجته وبنتيهما الصغيرتين. درس وليد في فرنسا وعاد ليعمل في بلده. كان سؤالي الأول قبل الحديث عن مرحلة مابعد الثورة عن المشهد الاحتفالي، فاختصر لي الكلام قائلاً، "هذا هو المجتمع التونسي يعيش على طريقته".  تحدثت معه عن الثورة وبن علي والنهضة، وكان شبح بورقيبة حاضراً كما في الحوارات الأخرى خلف كل جملة يقولها. حين أسأله عن إمكانية "أخونة" المجتمع والدولة في تونس من قبل حركة النهضة يقول، "لن يمرّوا". ولكن أسأله، كيف؟. تشبه إجابة وليد، كل الأجوبة الأخرى التي أسمعها، وهي، "ارتوى المجتمع التونسي من وعود النهضة".
بعد يوم واحد من ذلك الحوار مع وليد تكتب صحيفة "الشروق" في صفحتها الأولى بأن العنف والاعتداء على النساء زاد في الأشهر العشرة الأخيرة ووصل عدد القتلى بينهن إلى ٤٦ امرأة، كما تشير الصحيفة إلى تضاعف نسبة العنف في البلاد في سنوات الثلاث الأخيرة. ونقرأ في جريدة (آخر خبر) عدد يوم ٣/١٢/٢٠١٣ عناوين رئيسية في الصفحة الأولى تشير إلى واقع جديد في ما خص وضع المرأة التونسية، وهي بمجملها عناوين تتركز حول التجارة بالجنس وسوق "البكارة" وحتى (الختان) في بعض المناطق.
أضع هذه العناوين جانباً، وأحاول فهم ما يجري وما سيترتب على الصراع الدائر بين حزب النهضة الإسلامي وبين القوى السياسية، الاجتماعية، المدنية، العلمانية واليسارية، من خلال اللقاءات وأحاديث الناس اليومية، وأحاديث النساء تحديداً، ذاك أنهن، رغم تعنيف حياتهن اجتماعيا وتعطيل القوانين التي تحفظ لهن الحقوق المدنية، يحتفظن بمكانتهن في المشهد التونسي وحضور قوي في الصراع السياسي في البلاد. هناك أسماء نسائية بارزة تجابه "أخونة" المجتمع في المؤسسات التعليمية والمدنية والاجتماعية. الباحثة والأكاديمية رجاء بن سلامة واحدة من تلك الأصوات التي تقف بقوة ضد سياسة حركة النهضة والسلفيين الموجهة ضد مدنية تونس قبل سياسة الاستبداد وتاريخها. ترى رجاء بأن حركة النهضة ومعها السلفيين، تريد إحداث قطيعة مع التراث المدني والسياسي لمرحلة الحبيب بورقيبة، ولكن المواطنين التونسيين برأيها، "لا يتخلون عن حقوقهم التي تم تثبيتها منذ ٥٠ سنة". وتتحدث رجاء عن السياسة الخاطئة التي تعتمدها "النهضة" إذ تتوجه إلى دول الخليج العربي، فيما يرتبط الاقتصاد التونسي بأسواق الدول الأوروبية. وقد أثر هذا التغيير الذي أحدثه الحكم الجديد برأي الباحثة التونسية سلباً على السوق التونسية، ذاك ان اقتصاد البلد الآن مرتبط بالمنح والقروض التي يمنحها لنا البنك الدولي والاتحاد الأوروبي. وتشير بن سلامة في هذا السياق إلى تردد كل من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي منح تونس القروض والمنح، وذلك بسبب الوظائف الجديدة التي أوجدتها حركة النهضة خلال فترة حكمها، علماً بأن شروط القروض الدولية للبلاد مرتبطة بعدم توظيفات جديدة في المؤسسات الحكومية.
مساء ذات اليوم ألتقي بالصحافي والروائي كمال رياحي والشاعر شوقي برنوصي والناقد نبيل درغوث. نتحدث عن مشهد تونس اليوم. يطغي على حديثنا اسم بورقيبة وحركة النهضة، دون قصد منا كان اسم بن علي غائباً كما في الأحاديث الأخرى. لا يتحدث كمال رياحي عن راشد الغنوشي وحزبه بقدر حديثه عن قطيعة اجتماعية وسياسية بينه وبين المجتمع التونسي، ذاك أنه عاش نصف حياته في الخارج ولا يفهم المجتمع التونسي حق المعرفة، ناهيك عن اعتماده نهجا سياسيا استورد استيرادا. وأتذكر في هذا السياق كلاماً قالته رجاء بن سلامة، "حين عاد راشد الغنوشي بعد الثورة للبلاد ظن انه يُستقبل مثل الخميني حين رجع من باريس إلى طهران بعد انتصار الثورة عام ١٩٧٩، إنما خاب ظنه واستقبل برسوم كاريكاتورية في الصحف".
تريد(النهضة) برأي كمال الرياحي إحداث القطيعة مع المراحل المهمة التي اجتازها المجتمع أثناء حكم حبيب بورقيبة ،إذ تم تأسيس مؤسسات تعليمية وتربوية و قانون نظام الأسرة وضمان حقوق المرأة..الخ. "لقد تم تأسيس المؤسسات التعليمية والمدنية في تونس، في ستينات وسبعينات القرن المنصرم، وكانت غالبية الأنظمة العربية في تلك الفترة تخصص ميزانياتها لبناء مؤسسات أمنية وعسكرية، الجزائر، العراق، مصر، سوريا نموذجاً". ويتذكر الكاتب هنا كتب المناهج المدرسية حيث كانت تأتيهم كهدايا مجانية من العراق. وكأنه يعرف بأن لدي ما أقول عن تلك الهدايا، لا ينتظر كمال تعليقاً مني، فيبادر ويشير إلى أن النظام العراقي كان يخصص ميزانية البلاد للأمن والمخابرات والعسكر فيما كان يبعث لنا الكتب المدرسية.
 في شارع بورقيبة، قلب تونس العاصمة النابض، يرتفع نصب تذكاري اسمه برج ساعة 7 نوفمبر وهو رمز للانقلاب الذي قام به زين العابدين بن علي على الرئيس الحبيب بورقيبة يوم ٧ نوفمبر ١٩٨٧ وكان ينتصب في هذا المكان قبل الانقلاب تمثال لبورقيبة. لا يتميز هذا النصب بأية أشكال فنية سوى أربع  ساعات كبيرة في الجهات الأربع في أعلى جسم النصب. دون خطة صحافية سمعت قصة تبديل تمثال بورقيبة ببرج مجرّد تعتليها أربع ساعات ضخمة، من  سائق تاكسي خمسيني سألته مازحاً إن كان يعرف شيئاً عن هذا التمثال الذي نمرّ بالقرب منه؟. لم يجبني التونسي الخمسيني فحسب، بل جعلني أفهم لماذا أصبح بن على غائباً رغم ٢٤ سنة من الاستبداد. شرح لي السائق كيف أزاح بن علي تمثال الحبيب بورقيبة ووضع محله بدل تمثال شخصي له برجاً عالياً، "ربما لأنه لم يكن رجلاً قوياً مثل بورقيبة"، كما تحدث لي كيف قام بن علي بإزاحة النصب الأخرى التي انتصبت أيام حكم بورقيبة و بدلها بتماثيل لــ"هانيبال" أو هاني بعل كما يحلو للتوانسة تسميته، عندئذ فهمت لماذا غاب بن علي في مشهد ما بعد سقوطه وأصبحت المعركة محصورة بين الإسلاميين  وجزء كبير من المجتمع التونسي أو البورقيبيين الجدد إن جاز الاستخدام.  

حين توجهت مع صديقيّ العراقيين مصطفى ومناف من استانبول إلى تونس، حالفني الحظ أن أتحدث مع رجلين تونسيين كانا في طريق العودة إلى بلادهما عن المشهد السياسي والاجتماعي في تونس، مرحلة ما بعد بن علي تحديداً. وكان الحديث عما يجري في تونس داخل الطائرة تمرينا واستهلالا للدخول إلى تونس العاصمة، وفيها شارع الحبيب بورقيبة وساعته العملاقة التي تراقب المارّة من جميع الاتجاهات. بدا لطفي أكثر اهتماما من صديقه بالسياسة والتاريخ السياسي للبلاد، والولوج تالياً إلى تفاصيل ما يجري في ظل حكم حزب النهضة الإسلامي.
*نشرت هذه المادة الصحفية في صحيفة (المدى) عدد اليوم ٢٦/١٢/٢٠١٣

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...