Aug 25, 2012

أزمة السكن في العراق: البحث عن السقف المفقود

عمر الجفال *

يرتبط مفهوم السكن في الثقافة الجمعية العراقية بمفهوم الوطن: "من لا سكن له لا وطن له". ولقوة هذا المعتقد، وزعت الحكومات العراقية المتعاقبة قطع الأراضي السكنية على المواطنين، كما فعل عبد الكريم قاسم بعد ثورة 14 تموز 1958، وأنشأت مدناً جديدة على هامش المدن الكبيرة. ولكن هذه المدن الجديدة التي خططت أفقيا (أي كبيوت مستقلة) انسجاماً مع الثقافة الاجتماعية العراقية، بقيت محرومة من البنية التحتية الخدمية التي ترافق عادة المدن الجديدة، كتمديدات المياه والكهرباء وخطوط الهاتف وأنظمة الصرف الصحي، إضافة للمدارس والمشافي وحدائق الأطفال.

المراحل المتعاقبة
وفي سبعينيات القرن الماضي، عمدت الحكومة العراقية إلى توزيع مساحات من الأراضي على المواطنين، عن طريق النقابات المهنية والمنظمات الشعبية، رفعت من مستويات الإنتاج السكني للفترة 1975- 1985 (حسب وزارة التخطيط ) إلى نحو 50 ألف وحدة سكنية سنويا،ً وبمعدل نمو يتجاوز بـ0.7 في المئة المعدل السنوي لنمو سكان العراق.

وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، اختارت السلطات اعتماد البناء العمودي لحل أزمة السكن، فشرعت بالتعاقد مع شركات يابانية ويوغوسلافية لبناء مجمعات سكنية في بغداد والمحافظات، وأنتجت أحياءً "منظمة" كشارع حيفا الذي يحتوي على 2000 وحدة سكنية. وقد شيدت هذه الأحياء والمدن الجديدة على أنقاض الأحياء البغدادية الأصيلة ذات الطراز المعماري المتميز، والتي كانت تمتد بين العطيفية والصالحية. كما أنتجت أيضا مجمعات سكنية عديدة على جانبي بغداد، كالبياع والعامرية في الكرخ، ومجمعات "الطاقة الشمسية" و"7 نيسان" و"الشهداء" في جانب الرصافة.
ومع اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، توقفت تلك المشاريع، وسيطر هاجس الحاجة إلى وقود بشري لإدامة زخم الحرب، فبدأ توزيع هذه الشقق والأراضي السكنية على العسكريين الذين وصلت أعداد فرقهم إلى 57 فرقة، وعلى ضحايا الحرب من عائلات القتلى والأسرى والمعوقين.
وقد انخفضت حصة قطاع البناء من إجمالي الناتج المحلي من 6.5 % عام 1989 إلى 0.47 في المئة عام 1996 . وساءت هذه الوضعية أكثر خلال فترة الحصار الاقتصادي 1991 - 2003 ، والتي ساهمت في تحويل المسألة من مجرد عجز سكني إلى مشكلة وأخيراً إلى أزمة. 
وبعد التغيير الذي حصل إثر الاحتلال الأميركي عام 2003، بشّر فرسان العهد الجديد باحتذاء النموذجين الألماني والياباني في إعادة الاعمار. وتم بالفعل تشكيل "لجنة اعمار العراق" بمشاركة دولية وإشراف أميركي، حيث تشكلت على هامشها "لجنة المانحين للصندوق الدولي لإعادة اعمار العراق". إلا أن حجم الفساد الإداري والمالي الذي اقترفه كلا الجانبين، العراقي والأميركي، أضاع الأموال المخصصة، بين السرقة المباشرة وغير المباشرة عبر العقود الوهمية. يفيد بيان صادر عن مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 أن "اللجنة الخاصة بوضع آلية ضمان حماية أموال العراق درست موضوع اختفاء مبلغ 17 مليار دولار من الأموال العراقية". وكان رئيس لجنة النزاهة في البرلمان العراقي قد كشف أن رئيس البرلمان، أسامة النجيفي، بحث خلال زيارته الولايات المتحدة في حزيران/يونيه 2011 فقدان نحو 17 مليار دولار من "صندوق تنمية العراق". واعترف مسؤولون أميركيون في الشهر ذاته باختفاء 6.6 مليارات دولار من "صندوق إعادة إعمار العراق". ولكن استمرار التحقيقات أفضى إلى اعتراف الإدارة الأميركية بسرقة 21 مليار دولار من الأموال العراقية عن طريق... المفتش العام لإعادة إعمار العراق! 
انعكست الواقعة على عمل المنظمات الدولية المعنية بمشكلة السكن، والتي فشلت في مساعيها. إذ، وبعد 5 سنوات من العمل مع الوزارات العراقية المختصة، توصلت هذه المنظمات إلى اكتشاف حقيقة مفادها "أن العراق بحاجة فعلية إلى مشاريع إسكان"(!)، بينما لم تُسند أي مشروع إسكاني ولم تطور أي برنامج.
انكشفت المسألة تماماً بعد انسحاب القوات الأميركية: العجز في توفر المساكن اليوم كبير إلى درجة أن الحكومة غير قادرة على توفير المنازل لتلبية احتياجات العراقيين. وبحسب خطّة التنمية للسنوات 2010 - 2014 التي أعدتّها وزارة التخطيط، فإن 27 في المئة من الأسر العراقية لا تملك مساكن. ولفتت الوزارة في خطتها إلى أن معدل الإشغال السكني أعلى من المعدلات المقبولة، وهو يبلغ 1.37 أسرة لكل وحدة سكنية و2.23 فرد/غرفة. وأكّدت الوزارة أن10 في المئة من الأسر العراقية و11 في المئة من السكان يشغلون وحدات سكنية لا تتوافر فيها أبسط الشروط الصحية والبيئية. 
ومع اعتبار النمو السكاني في السنوات الخمس المقبلة، تقدَّر احتياجات السكن المقبلة بحوالي مليوني منزل (حسب دراسة أعدتها منظمة "NCCI" ووزارة التخطيط العراقية). إلا أن وزير الإسكان والإعمار أكد أن القدرة الفعلية لوزارته هي بناء 150 ألف وحدة سكنية سنوياً، وهي كفيلة بحل الأزمة، لكنه يشير إلى أن "المخصصات المالية لوزارته بحسب الميزانية العامة لعام 2012 تخولها بناء 3000 وحدة سكنية سنوياً فقط. ما يعني الحاجة لوجود استراتيجية يمكنها دفع القطاع الخاص الى لعب دور أكبر في مسألة السكن، من خلال الحوافز، مثل تشجيع منْح القروض السكنية. وكذلك يمكن توفير وحدات سكنية قابلة للتوسيع لاحقاً من قبل الأشخاص المستفيدين أنفسهم، في المناطق ذات المساكن المدعومة حكومياً.
وتقرّ وزارة التخطيط العراقية بوجود تباين كبير في مستوى إشباع الحاجة إلى المسكن بين المحافظات المختلفة. ففي حين بلغ دليل الحرمان في ميدان السكن على مستوى العراق عام 2007 28.7 في المئة، تراوحت نسب الحرمان بين 35 – 45 في المئة في محافظات ذي قار، وميسان، والقادسية، وكربلاء، وبابل، والسليمانية. وسجلت محافظات الأنبار، وكركوك، وديالى، وصلاح الدين أقل المستويات، حيث تراوح دليل الحرمان بين 4 و21 في المئة.
مشروع بسماية.. أزمة تلد أخرى
على طريق حل الأزمة، اتفقت الحكومة العراقية، ممثلة بـ"الهيئة الوطنية للاستثمار"، مع شركة كورية لبناء 100 ألف وحدة سكنية في بغداد والبصرة، من أصل مليون وحدة تسعى لتنفيذها لنهاية عام 2014، وبسعر 500 دولار للمتر الواحد. واختارت لمشروع بغداد مساحة تبلغ ثمانية عشر مليوناً وثلاثمئة ألف متر مربع في منطقة "بسماية" التي تقع إلى الجنوب الشرقي من العاصمة وتبعد نحو 10 كم عن مركزها، على الطريق الرابط بين بغداد ومحافظة الكوت. لكن الاتفاقات وحدها من دون الشروع بالتنفيذ لا تقي المواطن حر الصيف وبرد الشتاء. ومثل كل المشاريع التي تتوه في أزقة الفساد، تاه المشروع في أروقة الجهات المعنية، وبدأت بعد عام من التوقيع على تنفيذه، مرحلة تقاذف التهم بينها.
لجنة الاقتصاد والاستثمار البرلمانية، اعتبرت إجراءات العمل التي تقوم بها هيئة الاستثمار في بناء مشروع "بسماية" متعثرة، والشركات الكورية التي تعاقدت معها غير مؤهلة، وقالت في بيان علني أن "المبررات التي تتحدث عنها هيئة الاستثمار الوطنية، بأن الوزارة المعنية لا تخصص الأرض أو أن الطرف الثاني لا يتعاون، هو كلام غير مقنع ومجرد روتين"، لافتة إلى أنها "لا تحتاج إلى وقت طويل لتنفيذ مشروع بسماية".
ورد رئيس هيئة استثمار بغداد بأن الهيئة غير مسؤولة عن المشروع، وأنها تمثل جهة تنسيقية لا أكثر، وأن إجراءات تنفيذ المشروع شبه مكتملة، فمشكلات الأراضي تمت معالجتها، ولكنها حتى الآن لم تسلم للشركات المستثمرة. بل افتتحت الهيئة في 25 أيلول/سبتمبر 2011، باب التسجيل على الوحدات السكنية، بعد أن بيّنت أن أولوية التسجيل ستكون للموظفين، ثم المتقاعدين وأخيراً للمواطنين. إلا أن تقريراً نشرته صحيفة محلية نقل عن مسؤولين قولهم أن العدد المسجل على هذه الوحدات يمثل أكثر من ضعف عدد الوحدات السكنية. ورغم مرور عام على توقيع مذكرة التفاهم مع شركة "هانوي" الكورية الجنوبية، وعلى الرغم من وضع رئيس الوزراء حجر الأساس للمشروع في أيار/مايو الماضي، بالإضافة إلى دفع المواطنين الأقساط الأولية للشقق السكنية التي حجزوها... إلا أن ارض المشروع لا تزال جرداء.

مدن بلا خرائط
فور انهيار النظام السابق ومعه أركان الدولة العراقية ومؤسساتها، ترسخ شعور عام بين أغلب الناس بحقهم في كل ما يقع تحت أيديهم، وأصبحت أراضي الدولة مشاعاً لمن لا يملك أرضاً أو سكناً. وهكذا شُيِّدت مدن على هامش المدن، منازل تتراوح مواد بنائها بين المرمر الايطالي والطين، خليط معماري قل نظيره في العالم. انها العشوائيات، أو أماكن السكن العشوائي، التي أصبحت خلال فترة وجيزة مدناً قائمةً بذاتها، ولها سوقها العقاري الخاص بها، إلا أنها تعاني انعدام الخدمات التام، مثل المدارس والصرف الصحي والكهرباء والماء والتي تترافق عادة مع السكن المنظم.
تقول آنا نيكونوروف، وهي ناشطة في منظمة "NCCI" غير الحكومية التي تنفذ مشاريع ولها نشاطات في العراق، أنه يوجد في محافظة بغداد من السكن العشوائي ما يعادل ثلث كامل العشوائيات في بقية محافظات العراق، أي 125 منطقة عشوائية من أصل 380، يقدر عدد ساكنيها بـ 483148 شخصاً. وتعود ملكية 53 في المئة من هذه الأراضي التي بنيت عليها العشوائيات لوزارة المالية، و26 في المئة لوزارة الدفاع، و7 في المئة لأمانة بغداد، و4 في المئة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، و2 في المئة لكل من وزارات الزراعة والنقل والتعليم.
وبحسب استبيان المنظمة نفسها، فإن "معظم السكن العشوائي غير موصول بالخدمات التي تقدمها الحكومة، كماء الشرب والصرف الصحي والمدارس". وأظهر الاستبيان أن 68 في المئة من سكان المناطق العشوائية في العراق، و80 في المئة من الشريحة نفسها في بغداد لا يرغبون بالعودة إلى مناطق سكناهم الأصلية.
وإذ تعلق وزارة الإسكان انتشار السكن العشوائي على مشجب النزوح الداخلي الذي تصاعد إثر الاحتقان الطائفي في عامي 2006 و2007، فإن الاستبيان يؤكد أن 5 إلى 10 في المئة فقط من هؤلاء القاطنين هم من النازحين داخلياً.
مشكلة السكن العشوائي تستفحل يوما بعد آخر، وبين من يطالب بتمليك دور المناطق العشوائية لساكنيها، ومن يطالب بإخلائها باعتبارها تجاوزاً على المال العام، تستمر عملية البناء في هذه المناطق ويستمر معها التعامل العقاري بمعاملات عرفية في البيع والشراء. وقد اصدر البرلمان العراقي حتى الآن ثلاثة قرارات تؤكد جميعها على ضرورة إخلاء هذه المناطق. إلا أن ذلك يبدو مستحيلاً من الناحية اللوجستية على أقل تقدير، ناهيك عن آثاره الأمنية والاجتماعية والاقتصادية. يقول أحد المستشارين القانونيين: "قدر مدير الشرطة في الموصل أن إخلاء القاطنين من مختلف العشوائيات في المدينة يحتاج إلى تخصيص كافة أفراد وكوادر الشرطة لديه لسنوات عدة لإتمام العملية". أي أنها مستحيلة.
وتخلص الدراسة التي أجرتها المنظمة المذكورة إلى ضرورة رفع سوية العشوائيات بدلاً من هدمها، مستشهدة بالبروفسور هونغ من جامعة "ميت"، وهو خبير في هذا المجال: "لا داعي للتشنّج في إيجاد الحلول لمشاكل الحق في ملكية الأرض ما بين المالكين والقاطنين عشوائياً، فحتى عندما يكون مالكو هذه الأراضي أشخاصا، وهي ملكية خاصة لهم (وليست حكومية)، يمكن لعملية رفع السوية أن توفر حلولاً أخرى من ناحية استخدام الأرض جزئياً للسكن والجزء الآخر لأغراض تجارية".
ويكشف تقرير متخصص أعدّته هيئة حقوق الإنسان في مجلس محافظة بغداد في شهر شباط من العام الحالي، عن أن معظم العشوائيات تقع في مناطق بوسط العاصمة، وهي تضم أكثر من مليون ونصف المليون شخص متجاوزين على أراض حكومية ومزارع. وبحسب رئيس الهيئة في المجلس، فإن "المناطق غير الرسمية تضم مئات الآلاف من البيوت المبنية من الطين والصفيح، أو الخشب والطابوق (حجر رملي)، أغلبها مشيد داخل معسكرات الجيش السابق، ومقار وزارة الدفاع القديمة".


* كاتب صحافي من العراق

المصدر: 

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...