Jul 10, 2012

رواندا سورية


خالد سليمان

حين كلف بمهمة الإشراف على فريق الأمم المتحدة الصغير وغير المسلح في رواندا عام 1994‘ لم يعرف الجنرال الكندي المتعاقد "روميو داليير" موقع رواندا الجغرافي وكان سؤاله هواين تقع رواندافي أفريقيا أليست كذلك؟. كما أنه لم يعرف بأنه يذهب إلى هناك كي يصافح الشياطين ويرى مذبحة قلّ نظيرها في العالم إذ قتل فيها ما يزيد عن 800 ألف إنسان وكانت السبب في تشريد أكثر من ثلاثة ملايين آخر.

في كتاب له عن تلك المذبحة الرواندية بين قبائل الهوتو وأقلية التوتسي بعنوان (لقد صافحت الشيطان)‘ يلقي الجنرال الكندي قسماً كبيراً من اللوم على المجتمع الدولي في حدوث تلك المأسآة الكبيرة' ذاك أن الروتين في مكاتب الأمم المتحدة ومجلس الأمنكان أكبر من إرادة التدخل لإبعاد الشياطين عن رواندا.
كما أنه يخصص صفحات كثيرة عن الفريق الصغير الذي كان يقوده في دهاليز تلك البلاد دون وجود القوة والعدد الكافيين لإيقاف القتلة. اقتصر عمل الفريق الدولي إختصاراًعلى توثيق القتل وليس منعه حصوله

يذكرنا ذلك بالأحداث المأساوية في سوريا اليوم، حيث يقتل الناس العزل في قراهم على أيدي قوات نظامية وميلشيا مدرّبة -مذبحة قريتي الحولة والقبير والحفة نموذجاً-‘ ذلك أن الروتين الدولي الذي تفرضه كل من روسيا والصين حيث تعترضان على أي تحرك من شأنه إيقاف حمامات الدمأصبح اليوم واقعاً ملاصقاً بتطور الأحداث في سوريا. كما أن فريق المراقبة الذي لا يتجاوز عدد أفرادها 300 شخصاًلا يملك السلطة ليس في منع القتل فحسببل حتى في مراقبة ما يحدث من المذابح يومياً وتوثيقها كما تم من قبل فريق الجنرال الكندي.

 وقد ظهر للعيان كيف أن الحكومة السورية منعت المراقبين الدوليين من الذهاب إلى قرية "القبير" بعد الهجوم الوحشي الذي تعرضت له إلاّ بعد يوم من الحدث. وفي أثناء مجزرة "الحولة" أوضح قائد المجموعة روبيرت مودبأن أعداد المراقبين لا تكفي لمراقبة جميع مناطق سورياكما أنها لا تملك السلاح ولا السلطة لمنع حدوث المجازر. تالياًلا فرق بين هذه التصريحات والتصريحات التي كان يدلي بها الجنرال الكندي روميو داليير عام 1944 في روانداإذ كان يتجول بين مكاتب الأمم المتحدة وبين عاصمة رواندا كيغالي دون الحصول على شيء من شأنه إيقاف الإبادة الجماعية في تلك البلاد الخضراء كما يصفها في كتابه المذكور.

ما يميز الأوضاع السورية الراهنةهو عدم إكتراث جزء من المجتمع الدوليروسيا والصين وتوابعهما تحديداًفي الإعلان عن نية إطالة عمر المجازر ضد الناس العزل في سوريافيما لم يكترث المجتمع الدولي برمته في إعلان النية ذاتها فيما خص رواندا. وليس سهلاً اليوم الحديث عن حرب أهلية في سوريا وتغيير مسار الثورة نحو نقطة مجهولة أو قاتمةإنما الأحداث الجارية تشير بشكل واضح إلى أن النظام البعثي إذ بذل و يبذل ما بوسعه لإشعال حرب طائفيةفرض واقعاً لا لبس في أنه يتجه نحو تمكين عناصر الشرّ في إختراق جسد الثورة. وذلك من خلال إطلاق يد ميليشيات غير نظامية لا تتردد في القتل وجعله روتيناً يومياًكما كان هناك أعداد كثيرة من المجرمين تم إطلاق سراحهم مع إندلاع شرارة الإحتجاجات لتشكل يداً خفيةً لا تختلف عن تلك الأيادي التي أسماها روميو داليير بالأيادي الشيطانية في رواندا.

وقد يقول البعض بأن الحرب الدائرة في سوريا هي حرب الدولة على المجتمع وليست حرب طائفة ضد أخرىإنما يمكن القول ايضاًبأنها حرب سلطة طائفية على المجتمعذاك ان الدولة انسحبت في حياة سورية السياسية منذ ان استلم البعث الحكم في البلاد.

قصارى القول :"تتحمل السياسة الروسية مسؤولية إدامة عمر القتل اليومي وإطالة بقاء سلطة لم يتبق في خزينها السياسية سوى الورقة الطائفية. ولا يستبعد أن تحرق هذه الورقة البلاد وتحولها إلى رواندا ثانيةخاصة أن هناك روتين دولي بإسم خطة كوفي أنان إذ كان مسؤولاً عن جزء من ملفات رواندا من جانبوممانعة روسية لأي تغيير من شأنه تقليل الخسائر ومنع البلاد من التوجه نحو الهاوية.

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...