Sep 28, 2009

قراءة في كتاب ظاهرة صدام والمخيلة العربية

كاظم غيلان
صدر مؤخراً عن سلسلة( الصباح) الثقافية الكتاب رقم (19) (ظاهرة صدام.. والمخيلة العربية) للكاتب العراقي خالد سليمان المقيم في كندا بواقع(150) صفحة من القطع الوسط.

جاء في شهادة الزميل توفيق التميمي المثبتة على الغلاف الأخير من الكتاب خلاصة عميقة لمضمون وأهمية هذا الأصدار:
الكتاب يحاول أن يوجز تاريخ العذاب العراقي المبعثر في
صدور الضحايا الأموات والمعاقين عبر حرارة الشهادة الشفاهية قبل ان تزورها مخيلة مريضة او تتلاعب بتفاصيلها ولربما يؤكد الزميل التميمي أهمية الشهادة الشفاهية التي اعتمدها وأكد أهميتها المؤلف نفسه حيث وجد في خطورة التزوير والتلاعب بالوثائق ماهو ممكن جداً في ظل اوضاع عصفت بها الفوضى والانفلات ، ولربما كان المؤلف موفقاً في دقة اعتماده لمصادر مؤسسة الذاكرة العراقية حيث أعانته الشهادات المسجلة صوتيا من قبل شهود الضحايا والمجازر الوحشية التي عاشها العراق في تثبيت الوقائع بكتابه القيم هذا.
نادمون بفعل الصدمة
بحث المؤلف في محور( النادمون على قتل الأب ومقلديه) ماحصل من صدمة تلت 9 نيسان 2003 ( الذي طالما اعتبرناه بداية لعهد العراق الجديد) حيث بقي الألم والحسرة والجثث، بقي الارهاب والخوف واقتضاب الحياة في الغرف المظلمة ، بقيت الطائفية والمحاصصة والسرقة، بقيت العتمة واللاكهرباء، الجامعات والمدارس والمستشفيات المغلقة أو المباحة للمسلحين وفرق الموت، اختصارا بقي كل شيء ،عدا تلك الفرحة المقتضبة التي عشناها أمام شاشات التلفزيون".
مفاجأة الديمقراطية
بخلاف العديد من التصورات والكتابات الابتهاجية المنفعلة العجولة التي ابرزتها وسائل الأعلام، يقف المؤلف متأملا المشهد بروية من شأنها أن تؤشر لنا التركيبة الغرائبية في مجتمع غير مؤهل تماما لتقبل الديمقراطية بمجمل حالاتها كتجربة جديدة، انما فهمها وتصرف معها على وفق انماط المفاجأة التي تسببت بجني خسارات كبيرة كما يورد ذلك في ص13 : (وقد بدا المشهد العراقي بماضيه المحاط بقيم توتاليتارية وحاضره الغارق في الفوضى، مباح لجميع الافكار والطروحات، انما دون وضعه في سياق تاريخي يسمح لقراءة دقيقة لما جرى وما يجري، ووصل الأمر عند بعض الكتاب (العربان) يعتبر خوف العراقيين من "صدام" ولو من قبره ، انتصارا وفخرا للقومية العربية، وذهب بعض آخر الى ابعد من ذلك واعتبر" الاستبداد العادل" حلاً وطنياً لمشاكل العراقيين والعرب" ولربما جاء تحليل المؤلف هنا تبعاً لتركيبة المجتمع العربي ككل، هذه التركيبة العجيبة في تعايشها الاستسلامي المطلق للأستبداد كحالة منقذة كما في ص14" فهو عهد متهم في جميع الاحوال، فيه يلتحم الوعي العربي القومي والاصولي بـ" الاستبداد السائد" دون الحاجة لتعرفته وهويته اللتين تتميز فيهما الضحية بصفات" المبعد" ليس عن تاريخه فحسب بل عن أملاكه القسري لصفة الضحية".
صناعة الخوف في المجتمع
لايمكن لأي مجتمع متخلف كان أم متطورا الا وأن يتقبل الحالة التي يؤمن بها في طريقة تكونه، بل وحتى في طبيعة انسجامه مع المتغيرات التي تطرأ عليه فـ( البعث لم يكن صاحب جيل اجتماعي اساسا وبقي مشروع صناعة الجيل بالتالي خطاً بيانيا واضحاً في ممارساته السلطوية". وتأسيسا على هذا فقد بدأت صناعة الخوف في المجتمع اعتبارا من تهيئة الطفل وعسكرته حيث" اخذت فكرة الهيمنة على ذاكرة الطفولة تؤسس غرفاً للولادات القيصرية بغية صناعة الجيل المراد، ولذلك نرى ان رياض الاطفال والمدارس الابتدائية في عراق عهد البعث تحولت الى وسائل ترويض الصغار وفقاً لصور الأب والعم والأخ الكبير على دفاتر الرسم، وكان عالم الطفولة يتكون من رسومات، تطوق فيها صور صدام والجندي والطيارة والدبابة الخيال الطفولي، وكانت المظاهرات الجماهيرية التي طالما اصبحت واجهة الحياة اليومية في العراق حقلاً تجريبيا لنقش عالم البعث في وعي الطفل" ص26.
جمهورية الخوف
من جانب آخر يبحث المؤلف في محور (السلطوي أم التوتاليتاري؟) مستنداً لأشارة الكاتب اللبناني حازم صاغية فأن الكاتب العراقي كنعان مكية هو أول من وصف نظام البعث في العراق بالتوتاليتاري في كتابه( جمهورية الخوف) حيث:" كان البعث العراقي يسير على خط آخر، خط التقت فيه ماكينات الحزب والعشيرة والعائلة، وصار زرع الخوف من الاتصال مع المجهول في نفوس الناس- او العدو المفترض- ليس وسيلة للأخضاع فحسب، بل طريقة ممنهجة للتجريد من الهوية الفردية والانسانية" ص31. ولم يكن هذا الاخضاع منفلتا أو غير مدروس بحسب فهم المؤلف انما تبعاً لما اشرت اليه الوثائق المعنية بثقافة البعث نفسه اذ يشير لوثيقة صادرة عن مديرية الأمن العامة في العام 1973 منعت بموجبها قائمة طويلة من الكتب الثقافية والفكرية والعلمية والتاريخية وتتضمن القائمة قصص الأطفال واليافعين مثل كتاب( أثينا في عهد بيركليس) وقصص بوليسية للأولاد للمؤلف محمود سالم.
وبموجب هذا تبعد سلطة البعث دراسة تجارب العالم الآخر بهدف الاستيلاء التام على العقل العراقي.
الاستبداد المقدس
يشير المؤلف الى البيئة كعنصر فاعل في تركيبة صدام بالقول" كانت البيئة الاجتماعية التي انتجت صدام تاريخاً استباقياً للظواهر الصدامية التي تحتكر الشارع العربي الثقافي والجماهيري اليوم ،اذ تنطبق عليه رؤية (غرامشي) المبكرة لظهور الفاشية الرثة. فالهامشية والحرمان المتعدد الوجوه في الواقع العربي، وان اصبح فضاء رخوا لمطابقة السياسة والترويض عنوة، انما ولدت وما تزال مصادفات وفيرة وذاتية بالطبع، تثبت الولع الجماهيري بشخصية المستبد.
بعد شنق الدكتاتور
في سياق كل تلك الهتافات التي ملأت شوارع العواصم العربية بعد اعدام الديكتاتور، وجميع الكتابات والمواقف العلنية التي اعلنها المثقفون العرب دفاعاً عن (أمين الأمة) حسب تعبير البعض منهم، يلاحظ بأن صوت الاستبداد في الواقع العربي لايزال، قويا، خريريا، رنانا وممثلاً في اشكال استعراضية اجتماعية، ثقافية، فنية وجماهيرية متعددة وفي دعم لما أورده في رأيه هذا يشير المؤلف للسياق الشعبي المتدني في سلوك عباد الديكتاتور الممثل بشج رأس زوجة مغربية بسكين من قبل زوجها عشية اعدام صدام لمجرد انها قالت ان صدام (يستاهل) وطفل من ضواحي العاصمة اليمنية صنعاء اسمه صدام حسين 13 سنة يقدم على شنق نفسه تأثراً بعملية اعدام الديكتاتور. ويتابع المؤلف ((لم تخل البلدان العربية الأخرى من هذه المظاهر التي تشير بمجملها الى ان المجتمعات العربية تعيش مع الاستبداد أو رموزه في انسجام ترجع اسبابه الى التخلف الاجتماعي ، نظام التربية، الشعوبية والعنصرية، وفي الانسجام ذاك توريط اجتماعي، تربوي، ديني، ايديولوجي منظم للطفولة بالوعي الاستبدادي الذي يغزو العالم العربي(( ص45 )).
لقد أسهم الخيال الشعبي والمعتقد الشعبوي المتشبث بشخصية المستبد والمقدس لشخصية الجلاد بجعلها أمراً مقبولا حتى من قبل الضحية نفسها ولربما اسهم الاعلام العربي المتخلف في انضاج هذه الحالة الازدواجية في الشخصية العربية متمثلاً ذلك بما ينقله الخيال الشعبي الى(( اسلمة حزب البعث وتوزيع النفط توزيعاً عادلاً على جميع الشعوب العربية ،
وكان الظريف ضمن تلك الشائعات ان عددا من الاردنيين شاهدوا وجه صدام على سطح القمر ويؤكد المواطنون، ان القمر كان مكتملاُ في حال البدر ليلة الرابع من كانون الثاني بعد أربعة أيام على الاعدام ،كان الرئيس مبتسماً!!)) ص50 ويقرب المؤلف حالة التشبث المقدسة هذه للظروف التي اسهمت في بروز الظاهرة الناصرية في اشارة الى الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر ، وبهذا الصدد يمكن الاشارة الى ان الشعبوية ليست وحدها التي اسهمت بصناعة المقدس انما يمتد ذلك للنخبوية ايضاً، والا بماذا نفسر تقديس شاعر مثل نزار قباني حيث يرثي عبد الناصر هكذا: قتلناك يا آخر الانبياء قتلناك ليس جديدا علينا اغتيال الصحابة والاولياء فحتى الموت العادي يتحول الى قتل والمستبد( نبيا) ولربما سائر القتلة الحكام( اولياء) .. اما نحن فأمة قاتلة بيد انها في واقع الأمر مقتولة.
المصالحة بين تجربتين!!
في مقارنة بالغة الدقة والذكاء يجريها المؤلف لمسألة المصالحة والعدالة كتجربة استجدت بعد سقوط البعث عام 2003 مستنداً لتوفر مقتضياتها الاخلاقية اذ يشير بأن :
لجان هيئتي الاجتثاث والمساءلة والعدالة لم تتمكن من احضار اي قيادي بعثي أعلن ندمه أمام الضحايا عن الجرائم التي ارتكبها في السابق ، بينما تمكنت لجان الحقيقة والمصالحة في جنوب افريقيا بأجراء مثل هذه الحالة وذلك وفق بند مهم في قانون الحقيقة والمصالحة مفاده" اجراء لقاءات يتم فيها دعوة الضحايا للتعبير عن انفسهم وما تعرضوا له بعدما تعيد لهم الكرامة الشخصية.
وفيما يتعلق بالمجرمين ومنفذي الشناعات ، يتم استدعاؤهم للأعتراف عما ارتكبوه من الجرائم وطلب الرحمة امام الضحايا وذويهم" ص119. وهذا يشير لهزالة التجربة العراقية في هذا المجال مقارنة بجنوب افريقيا ويعزو سبب ذلك :" في العراق ، ارتهن كل شيء بقيم الطائفة والحزب والعشيرة ،ولم يحصل تاليا شيء من تلك التجارب التي شهدتها جنوب افريقيا وتيمور الشرقية والارجنتين وبلدان اميركا اللاتينية.
ذاك ان مشروع اجتثاث البعث أصبح أسير واقع ما بعد الديكتاتورية ، والذي طالما تميز بمنحى طائفي، وفيه انتفت الحاجة لتحرير الضحايا من ثقل الماضي ومحاكمة المتورطين بارتكاب الجرائم ضد العراقيين بسبب المنحى الطائفي ذاته”.
كتاب منهجي
لربما اختصرت الكثير في هذه القراءة لكتاب خالد سليمان الذي اجد من الضروريات المؤكدة ان يدرج ضمن مناهج التدريس الاكاديمية لما فيه من غنى فكري وتحليل موضوعي.

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...