Mar 20, 2006

طيور كردستان وقد تحتل واجهات الصحافة في محل المجهول

خالد سليمان
قلما اهتمت الصحافة في بلداننا بالطيور وأنواعها ، ومواطنها وأنماط حياتها وبيئاتها ومشاكلها الصحية ، أولنقل أنها لم تهتم أبداً . فلو هاجر نوع من الطيور وجاء نوع آخر جديد يبقى الأمر شأناً عادياً ولذلك شروط طبيعية إذ يبقى طير زرزور مثلاً في كردستان شتاءاً ويهاجر في منتصف الربيع . لم نر يوماً خبراً عن الطيور أو الحيوانات الوطنية البرّية على الصفحة الأُولى في صحيفة أو ملف خاص عنها . فبإستثناء الطيور والحيوانات المحددة ( الصقور والغزلان والببغاوات مثلاً ) التي توفر متعة التباهي بإمتلاكها وزجها في الأقفاص ، بقيت معرفتنا بمجتمع الحيوانات وأصول تنظيم حياتها معدومة . أما صحافتنا وآدابنا وعلومنا فخصت ذاتها بصفات قومية وسياسية ودينية وثقافية مجردة ، متجنبة بذلك جميع تلك الحيوات التي تسري داخل الأشياء والطبيعة من خلال كائناتها .

انتبهت لهذا التجاهل تجاه الطيور عام 1993 لأول مرة إذ كنت صحفياً لصالح إذاعة صوت شعب العراق في بلدة شقلاوة في كردستان . وكانت الإذاعة التي يديرها الإعلام المركزي للحزب الشيوعي العراقي قد فتحت ملفاً عن تجفيف الأهوار في جنوب العراق والذي نفذه نظام صدام حسين . وحين بدأنا بالعمل لإعداد الملف ومتابعة ما كتبته الصحافة العالمية حول تلك الجريمة ضد أقدم بيئة تاريخية في العالم ، تبين لنا ان هناك طيوراً كانت تعيش في بيئات الأهوار منذ آلاف السنين ، لكنها هاجرت واستوطنت في واحات صناعية في الكويت بعدما جفت واحاتها الطبيعية. لقد تم اكتشاف تلك الهجرة التي تمت من البيئة الأصلية إلى أُخرى صناعية فيها عناصر شبه مع الأُولى من تقارير نشرتها الصحافة الأوروبية بعدما حصلت عليها من خلال منظمات عالمية مهتمة بالبيئة . ولم يكن للصحافة العربية في تناول تلك الهجرة على صفحاتها أي دور سوى ترجمة الخبر من وسائل الإعلام العالمية ونشره في زاوية منسية في صفحة المنوعات .
لقد ظلت الصحافة والثقافة مكرّستان للسياسية البشرية وللخطابات المتعددة دون الإلتفات لمصادر حياتنا وحيواتها الطبيعية وجمالها الرومانسي الذي طالما تغنى به الأدب والخيال الشعبي . فللطيور ، وعبرتاريخ البشر بالطبع ، وقع خيالي لبناء العلاقة مع المحبوبة والثورة والوطن والمنفى . لكنها وعبر تاريخها هي ، محل النسيان واللامبالاة إذ لم يؤانسها أحد سوى في حدود " اللذة " الشرهة والصيد .
جاء في أخبار نشرتها الصحف المحلية في كردستان ان أعداد كبيرة من حجل جبال " قنديل " ماتت دون معرفة الأعراض ولم تصل الفرق الطبية للمنطقة أساساً . هكذا ، وقبل وصول فرق الإبادة ، أصاب الحجل والأصناف الأُخرى من الطيور وباء النسيان الأبدي بعدما كان وباءاً بشرياً قصدياً في التجاهل . والغريب في الأمر هو انه يُنظر إلى مأسآة طاعون الطيور التي ستشكل كارثة للجغرافيا الوطنية في آثارها المستقبلية من زاوية " البطن " قبل أي شيء آخر . ففيما نرى رسوماً كاريكاتيرية لدجاجات ممتلئة وسمينة تتغنج لأي زبون شره في أكل اللحوم ، لا نلاحظ أية صورة ولو أرشيفية للأنواع الأُخرى من الطيور .
لا تخلو هذه المفارقة من الحزن على " البطن " قبل كل شيء ، فهي ، وبما تحمله من معان سطحية لوباء قاتل تدخل في سياق خيال متمثل بأطباق لذيذة لا يرى الإنسان ذاته إلاّ من خلاله .
وبما ان الوباء قد حصل وترك مقابر جماعية لجمال جغرافيانا المحدودة ، كان يجدر بنا العودة إلى تاريخ الطيور المنسية وليس إبرازها كقتلة البشر . فالحجل والحمامات والكوكوختي ( طير الفاختة ) والصقور والزرازير والحبشي والبطة ، كل هذه الصنوف من الطيور وغيرها تشارك في بناء تاريخ هذه الجغرافيا واسرارها ومكوناتها . كيف لنا وضعها في قمامات بلاستيكية أو حرقها كمعضلة في تاريخنا . ألا يكمننا ، على الأقل ، إستعادة شيئ من أصالة المكان عبر الطيران والحركية النابضة التي وهبتها الطيور لنا .
كان هناك طير " لقلق" في مدينة أربيل واستوطن على قبة جامع من جوامع المدينة لفترة طويلة زادت عن ثلاثين عاماً . عندما بدأت الحرب الداخلية بين الأحزاب القومية عام 1994 أُصيب عشه بطلقات المتحاربين وترك اللقلق بالتالي مكانه التاريخي ولا أتذكر إن كان قد أُصيب هو أيضاً . وقد سارعت وسائل الإعلام حينئذ بالحديث عن المؤانسة بين أهل المدينة وعن اللقلق والدمار الذي لحق بالمدينة جراء حرب الأخوة الأعداء .
كان للدفاع عن ذلك الطير معان كثيرة منها شاعريته وهو يلزم مكانه منذ عقود ، وعبثية الحرب الأهلية. ولكن كانت هناك طيور أُخرى تعرضت للمحنة ذاتها في ظل الحرب ذاتها وفي الصمت دون أن يراها أحد.
في عراق اليوم ، هناك حمى سجال سياسي حول تشكيل الحكومة وتحالف الطوائف والعشائر والقوميات كل وفق أجندته ، وهناك من يتحدث عن كوارث وطنية في حال لم تتوصل الأطراف إلى الإتفاق والوئام . لكن الحديث عن إنتشار المرض في كردستان والجنوب وإبادة الملايين من الطيور يبقى محصوراً بين الزراعيين والمسألة ليست كارثة وطنية من وجهة نظر الهؤلاء ، بل هي مجرد مرض يجب التخلص منه ، أما آثاره البيئية التي سوف تجرد الطبيعة والجغرفيا الوطنية من ملامحها المتنوعة فلا يتحدث عنها أحد . لا يفيد أي حديث عن الطاعون بينما الطيور تموت أو تقتل في حملات الإبادة الجماعية ، لكن تتمثل " السياسة الوطنية " الصحيحة ، إن وجدت، هي تلك السياسة التي تتداخل فيها أبعاد الوطن ببشره وطيوره وحيواناته ونباتاته وأشجاره وليس بالشعارات والمقدسات ، فالسياسة دون ذلك تتهاوى نحو مناطق سفلى في الأخلاق ويجب إدانتها .
المسألة هنا ليست الرومانسية تجاه كل تلك الطيور المبادة أو التي تواجه موت معلناً ، بل هي تفكير في طبيعة قد تكون جرداء إن بقي الوباء على حاله . فالأشجار والبشر لا تكفي كي يبقى مكاننا جميلاً .

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...