Dec 15, 2005

-كتاب صدام حسين الأسود- بورتريه واحد للدولة والرئيس والعائلة


2005/12/16


weekly_culture

<<كتاب صدام حسين الأسود>> بورتريه واحد للدولة والعائلة والرئيس
خالد سليمان



في وصفه لسياسته المدمَّرة يقول الوزير الفرنسي الأسبق <<بيرنار كوشنر>> في استهلال كتبه لكتاب (كتاب صدام حسين الأسود): <<كان صدام حسين من أسوأ الطغاة في تاريخ العالم، وكان تحرير الشعب العراقي منه أمراً ضرورياً ومستعجلاً>>. ما دفع الوزير والطبيب السيد كوشنر المعارض للغالبية الفرنسية التي وقفت ضد الحرب على نظام البعث لهذا الإعلان الصريح وغير المغبر، هو تاريخه الطويل في مراقبة الموت اليومي الذي فرضه صدام على العراقيين. ففي عام 1974 حين زار كردستان مع فريقه المكوّن من أعضاء منظمة أطباء بلا حدود، رأى على طريق رواندوز أو طريق هاملتون كما هو معروف في معجم الكولونيالية البريطاني أول مشاهد الموت، وكان بجانبه حسب وصفه، الصحفي المشهور والمختص بالشؤون الكردية <<كريس كوجيرا>>. لقد اكتشف كل من كوشنر وكوجيرا من خلال تلك الرحلة التي رأيا فيها موت باعته حكومتهما لدولة نائب الرئيس صدام حسين، ان القنابل التي كانت تخرج من طائرات الهيليكوبتر العراقية فرنسية، كما ان كاميرات فريقهما فرنسية أيضاً، لقد باع بلدهما لصدام موتاً. من هنا يمكننا القول ان (الكتاب الأسود لصدام حسين) الصادر في باريس في الخريف الماضي، والذي شارك في كتابته 23 مختصاً عالمياً في النظام الشمولي البعثي في العراق بإشراف كريس كوجيرا يشكل المفصل في تاريخ حكم صدام. ذلك أن فترة (1974) التي بدأ فيها كل من كوجيرا وكوشنر في التحقق من سياسة البعث تجاه الكرد في العراق، كانت تمثل البداية الحقيقية لسياسة الجينوسايد البعثي ضد الكرد والشيعة. ليس ما يميز هذا الكتاب هو عدم اللجوء إلى العرض التاريخي لنظام صدام وجرائمه ضد العراقيين والاعتماد على آليات التحليل فحسب، بل تشريح تلك السياسية التي اعتمدها صدام وإلقاء الضوء على جميع البيئات الاجتماعية والعائلية والاقتصادية التي استندت عليها السلطة البعثية لثلاثة عقود ونصف. وتشكل أسماء الكتاب والصحفيين والباحثين المشاركين فيه اهمية خاصة، إذ أن لكل واحد منهم موقعاً عالمياً في تحليل النموذج <<الصدامي>> للتوتاليتاريزم وله مراجع تاريخية وسياسية حول دنيا البعث وصدام. وكما يقول السيد كوشنر فالكتاب يريد في النهاية إسماع شكوى الشهداء. إن جرائم صدام ومقابره وسجونه ومخابئه السرية وحروبه المتتالية لا تُعَد ولا تحصى، كما يريد لها البعض بغية الاستسلام لفهم خاطئ للوضع الحالي للعراق بأن يصفوها وصفاً مبتذلاً مفاده ان <<أخطاء صدام>> لا تشكل شيئاً أمام الاحتلال. فاستخدام الغازات السامة والإبادة المنهجية ضد الكرد والشيعة والمعارضين كان عبارة عن أخطاء برأي الكثيرين وليس جرائم ضد الإنسانية. من هنا يرى كريس كوجيرا ومن خلال المقدمة التي كتبها للكتاب الأسود؛ بأن الحرب الأميركية ربما لم تكن حلاً مناسباً لوضع نهاية الدكتاتورية الصدامية. لكن، في ظلّ نظام مستقوٍ بعناصر داخلية ثابتة الأقدام (الأمن، المخابرات، الحرس الجمهوري، أشبال عدي، فدائيي صدام ، القوات الخاصة) وأركانه الراسخة في إرهاب المواطنين، لم تكن هناك حلول أخرى، ذلك أن الحركات الشعبية لم تكن قادرة على قلب ذلك النظام. يتضمّن الكتاب الذي يقع في 700 صفحة من حجم كبير، الدراسات والبحوث والشهادات والأرقام حول ضحايا (القتلى، المفقودين، المعاقين) نظام البعث في العراق والذي يصل عددهم إلى ثلاثة ملايين. ففي وقت يعتمد الجانب المعلوماتي فيه على جميع تلك الوثائق والمقابر الجماعية والشهادات الحية التي ظهرت بعد سقوط النظام في ربيع 2003، تركّز البحوث على طبيعة النظام ونشوئه وأساليبه للسيطرة على المرتكزات الاقتصادية والإجتماعية والنفسية في البلاد. ولو أخذنا بحث عالمة الآثار الألمانية <<سينه كارن ستويكه>> بعنوان (حقول الموت لصدام حسين) نرى أنها تقترب من المنهج الأنتروبولوجي لتبيان حقيقة المقابر الجماعية وكيفية قتل المجموعات البشرية من خلال دراسة أوضاعهم في المقابر وآثار الطلقات على أجسادهم، بالإضافة إلى ملابسهم وجميع تلك الإكسسوارات التي دفنت معهم. وتقدّم السيدة <<ستويكه>> في الوقت ذاته تواريخ المقابر ومواقعها وعدد الضحايا فيها مع وصف أنثروبولوجي للتغييرات التي حصلت على الأجساد خلال الفترة الواقعة بين عمليات القتل ولحظة اكتشافها. في وصفها لحال هؤلاء الموتى قبل رميهم تقول: (ظن الناس، الذين طالتهم حملة الأنفال خصوصاً، بأنهم سيبعدون عن البلد. ما دفع ببعض النساء والأطفال لأن يرتدوا الكثير من الملابس، وكانت بحوزتهم محافظ وحقائب سفر وأدوية ونظارات، أي كل ما يحتاجه المرء لمزاولة حياة يومية. كل هذه الأشياء التي اعثر عليها يجب إخراجها أيضاً. فهي ملك هؤلاء الضحايا ويجب أن تلازمهم، لأنها ستعاد في الحالة المثلى لعائلات المتوفين ثانية). <<لا تتورع ستويكه عن إدانة الحكومات الغربية وصمتها تجاه هذه المجازر البشرية التي حصلت ضد العراقيين أمام عيونهم، ذلك ان صدام كان <<مُستخدماً>> أو مفيداً لمعارضة إيران، برأيها، ولكنها لا تتورع أيضاً عن تأييدها لنتيجة الحرب وسقوط نظام صدام حسين. يخصّ كريس كوجيرا الشراكة الفرنسية العراقية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي بتعريف خاص إذ بإمكانه إعادة مسألة الشراكة في الجريمة الممنهجة في العراق إلى الواجهة السجالية بين النخب الأوروبية ذاتها. فالعلاقة الفرنسية العراقية التي يصفها الكاتب ب<<غزل بلا تصدع>> ارتقت إلى مستوى مثالي في عهد كل من جاك شيراك وصدام حسين وأصبحت لفرنسا الحصة الذهبية من النعيم العراقي. يعتمد كوتشيرا في وصفه لذلك الغزل الذي صدّع العراقيين على معلومات ومعطيات نشرتها الصحافة الفرنسية وأعلن عنها مسؤولون فرنسيون في مراحل مختلفة من تاريخ تلك العلاقة التي قويت بتصدير واستيراد الموت. ذلك ان المنشآت البتر كيمياوية والمواقع النووية والصناعة العسكرية الحديثة التي كلّفت المليارات من الفرنكات تأسست بفضل الخبرة الفرنسية العلمية والتكنولوجية. ويعود الكاتب هنا إلى مسألة طائرات الهيليكوبتر (آلوييت) االأربعين التي باعتها فرنسا عام 1974 للعراق وتمّ استخدامها فيما بعد ضد الأكراد. يؤكد الباحث والأكاديمي الكردي <<خالد صالح>> الشراكة الأوروبية في الجرائم ضد الإنسانية في العراق من خلال دراسة عن شبكات دولية تنافست فيما بينها لبيع الموت إلى نظام صدام حسين. معتمداً على تلك المعلومات التي اعترف بها الهولندي <<فرانس فان آرنات>> والذي أسمته الصحافة الهولندية ب<<فرانس الكيماوي>> على غرار علي الكيماوي وأرشيف المعهد العالمي للبحث عن السلام في استوكهولم، يشير الكاتب في بحثه المعنون بتجار الموت إلى جميع تلك المؤسسات الدولية التي باعت للعراق مواد غاز السارينز والخردل <<الموتارد>> الذي يسبب حرق الجلد وتعطيل الجهاز التنفسي والشرايين الدموية والتقيؤ والإصابة في العيون. كل هذه الأعراض التي تستخلص في الموت، باعته أوروبا بشقيها الغربي والشرقي للعراق في سياق تلك العلاقة الغزلية (الأوروبية العراقية) التي لم تصدع سوى العراقيين. ولو عدنا إلى الكلمات التي استهلّ بها بيرنار كوشنر هذا الكتاب نرى أن زيارته الأولى مع كوتشيرا إلى كردستان صادفت الفترة ذاتها التي تعرّضا فيها مع عوائل كردية على الحدود الإيرانية إلى قصف عراقي، وفي الفترة ذاتها أيضاً وصف جاك شيراك <<القومية البعثية>> في العراق على الشكل التالي: (إن القومية في أحسن أحوالها، والاشتراكية باعتبارها أداة لتحفيز الطاقة وتنظيم مجتمع الغد هما أحساسان قريبان جداً من قلوب الفرنسيين). بجانب هذا العرض التاريخي للعلاقة الغزلية بين فرنسا والعراق أوروبا والعراق ضمناً وطابعها التكتمي على جرائم البعث في البلاد، يكتب كوجيرا فصولا كثيرة من الكتاب حول الأنفال والمقابر الجماعية وإخفاء الكويتيين عام 1991. لقد أدّى الحكم الصدامي إلى إلغاء الطبقات الاجتماعية العراقية وظهور مجتمع <<مخبر>> حسب وصف عالم الاجتماع العراقي سامي زبيدة . فالتحولات القسرية التي فرضت على المجتمع وتجسّدت في التأميم والقومية والمدنية تارة، والإسلامية والعشائرية تارة أُخرى أفقدت السياق التاريخي للمجتمع. في حدودها غير الإستثنائية والعادية جداً إذا أردنا اجتازت هذه السياسة التخريبية حدود المجتمع والاقتصاد ووصلت إلى الطبيعة وبيئاتها التاريخية إذ ألحقت بها أضرارا كبيرة وتستمر آثارها لسنين طويلة. وكانت <<الأهوار>> وتجفيفها وتشريد سكانها جريمة أُخرى من جرائم صدام. ترى <<إيما نيكلسن>> عضو البرلمان الأوروبي ورئيسة مؤسسة عمّار لمساعدة سكان أهوار العراق بأن إعادة تأهيل هذه البيئة وسكانها تحتاج لأكثر من مليار دولار. تجدر الإشارة هنا إلى هجرة أعداد كثيرة من طيور الأهوار كانت بسبب التجفيف. صدام حسين، أية توتاليتاريزم؟ يرسم الكاتب حازم صاغية بورتريه صدام وفق سؤال افتراضي في سياقه التاريخي العالمي، لكنه ينبع من استئثار تاريخي بالسلطة في العراق في عهد صدام وعائلته، ذلك انه يسأل إن كان يوجد لدى هتلر أو ستالين إبن عم أو أخ. ومن خلال السؤال ذاته يشكّك صاغية من صفة الشمولية للبعث ويقترح اختيار أي اسم آخر (حكم عائلي، دكتاتوري، قمعي، دموي) إلخ، لأن الشمولية أو التوتاليتاريزم كانت نتاج الحداثة الغربية ودخل كل من هتلر وستالين في حياتهما إلى سجالات سياسية وأيديولوجية وحزبية ودينية وكانت طريق الوصول إلى السلطة أمامهم وعرة وغير مبلطة. اما في حالة صدام فالمسألة لم تحتج سوى إلى الاغتيالات السرية العلنية ايضاً وإلى ترويض النفس على استخدام وسائل القتل، ناهيك عن إشراك العائلة والبيئات المقربة (العشائرية والمذهبية) لها في الاستئثار بالسلطة. ولكن، ومع خصوصية السلطة البعثية التي يمكننا تسميتها ب<<الاستبداد الشرقي الخاص>>، لا ينفي صاغية تلك الصفات المشتركة المتمثلة بالقتل بين كل من ألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي من جهة وبين النظام العراقي من جهة ثانية، فيهود أوروبا وكولاك روسيا وأكراد العراق كانوا الصفة الجامعة بين تلك الأنظمة. أما عن مقاربة صاغية بين ثلاثة نماذج مختلفة من الحكم الفردي، والتي ينطبق على اثنين منهم مفهوم <<الشمولية>> بمعناه الحداثي حسب رأيه، فهي بحث في تساؤل بعنوان؛ صدام حسين، أية توتاليتاريزم؟ يستدعي هذا السؤال نقطتين مهمتين في نموذج الدولة الصدامي. الأولى <<خلدونية>> تتمثل في رابطة الدم والقرابة والمصاهرة بين أعضاء العائلة الحاكمة، أما الثانية فهي التماهي مع صورة الشمولية الغربية التي انتجتها الحداثة. من أنتج صدام وكيف سيطر على السلطة وماذا فعل خلال حكمه الأسود؟ ماذا حل بضحايا سياسته الجينوسيدية؟ كم بقي من الشهود وكم اصبح منهم في عداد المفقودين؟ وكم بورتريه، يمكننا رسمه له ولأبناءه وابناء أعمامه ولدولته أيضاً؟ يدرك القارئ من خلال قراءته للكتاب الأسود لصدام حسين ان جميع المشاركين وبدون اتفاق مسبق يرسمون بورتريهات تصلح للدولة والرئيس والعائلة في آن واحد. ففيما يستخلص المؤرخ الأمريكي <<بيتر سلوغليت>> آليات تركز سلطة البعث من بيئات داخلية اعتمد فيها صدام الاغتيال والإبعاد والترهيب، وخارجية متمثلة بالدعم غير المباشر للآلية ذاتها والصمت والقتل الممنهج الذي مارسه صدام، يحاول الكاتب والصحفي زهير الجزائري، وفي السياق ذاته، تشريح سلطة صدام من خلال بورتريهاته التي أصبحت جزءاً من حضوره الكلي. وكان ظهور القائد بمظاهر مختلفة وفي أمكنة شعبية وهو يدخل بيوت الفلاحين والبسطاء وفق رؤية <<الجزائري>>، هو إيجاد علاقة عضوية بين الصورة والسلطة وأسلبة صدام مُتخيل تالياً من خلال الصورة وأبعادها الرومانسية. في الكتاب، يُلقي كل من المفكر العراقي <<فالح عبدالجبار>> الذي يصفه كوتشيرا بأفضل مختص عالمي في المسألة الشيعية و<<صاحب الحكيم>> و<<جانز وف راحيه>> الضوء على التعذيب ضد الشيعة خلال حكم البعث. وهناك بحثان لكل من الكاتب الكويتي <<محمد الرميحي>> وكريس كوتشيرا حول نهب الكويت خلال غزوها وإخفاء مصير المئات منهم.

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...