Nov 11, 2005

يسيل منه دم أبيه- قصيدة


خالد سليمان
I
في ليلِ لامتناه ، قرب نهايات قرن مجهول
تلتقم أحصنة حديدية عشب أجساد
رهائن الموت تجزم إنتهاء عرس
وحيد أول ، عريس بلاد جحيم
يسيل منه دم أبيه .
أيكفي هذا الحقل المجرّد من المتعة لناج مثل " إبراهيم"[1]
كان من المفترض أن لا يأخذوا ربيعه الأول
يتركوه للشهادة على على بقايا الأشلاء

عجوز لا تأخذوه
تركوه الأمس على عتبة الحرّ
نحتوا له إسماً لائقاً ، تاريخاً على الأحجار والجفاف
بجانب نهر معزول
هناك ممشى للقتلة والمحتفلين
سرباً من الطيور ، وجثة الأب
تُدون ما بقي من فرحة الراقصين ، البارحة
يصل الجندي الأول مرتوياً من دم الطريق
عجوز خذوه
انه الوحيد الثاني ، راعي الحفلة
يستمع لصوت اقدام نهر
أحصنة حديدية صدأة
تخترق طلقات القرن واحة وحدته
بعيداً عن ليل النزوح
كن حذراً يا أبي سننتظرك في مكان ما !
تمرّ العتمة قبل أن تصدأ البيوت ولا يصل أحد
الإنتظار فكرة سخيفة
لأن الموت يسبق المواعيد العشوائية
يتقدم ملتقموا خضار الواحة نحوه
رهينة ترميم الإختفاء لا يتكلم
سارق السعادة لا يرى
تاريخ الإحتفاء بالأحفاد لا يُكتب بهذه السرعة
هذا الصباح الباكر لا يفيد إلاّ قرن مضى وأب
اُكتشف في نهر دمه متواضعاً
ناسياً جغرافيا الأمس لبيته
II
رهينة ليل مضى
يبقى في تخوم طلقات صدأت في دم الراقصين
يجتازه الألم ، تراه زوجة الجنرال في تقرير صوري
والجندي الأول ، يراهن على إعتراف منه
لقد تأخروا بالوصول
تركوا الفريسة لفلسفة الموت الصدأ
عاش عمر وردة خريفية ، فراشة ، وترك لقاتليه
ثياب كثيرة وقشر برتقالة طازجة
رائحة فتيات العرس تراقص عشب ماضيه
أو " البارحة ايضاً " !
هناك دائماً في الطرف الآخر من الموت
حياة سرّية ، سماء مسلحة بشظايا الزجاج
وقنابل مصدأة تكفي لإنهاء العالم
رهينة الصباح لم يمض
يخرج عن سرب النازحين نحو حاميات القرن
تخونه فكرة وطن " الحاج حنطة "[2]
ويذهب جد بعيد
تسترده حياة خائنة إلى قبر برّي
عجوز لم يأخذوه
إمتلئت جيوبه بقنابل الوطن
كن حذراً يا ولدي ، إن لم نلتق غداً
تكفيني فرحة الأمس
III
يصعب إنتشال الكلمات من دم القتلى
ما أسهل تحديد جغرافيا الجثث
الإتجاهات المتاخمة لمسالك قاتل حُر
وقشر البرتقال المجفف
سؤال واحد يكفي لـ " الحاج حنطة "
بإمكان بارق واحد إبتلاع برتقالة كاملة
شواء الحجل بريشه
انه قشّار ونثّار وحفّار ماهر
دم الميت يتدفق هذا الصباح
والسهل لا يعيب بناء المقابر
قل لجيوشك أن ترّمل الممشى
فالنهر لم يزل يجهل اخبار البستاني
هناك أياد تستحق التقليم ، يخيل له
ويترك ورائه تماثيل صغيرة
أكواماً من كلمات " الفاتحة " المؤجلة
خلو الدنيا من مجالس العزاء لا يعني اللهو
ولا نهاية الموت
وإنشغال التاريخ بإخفاء جثة معزولة
يعني أن الموت ابشع من كونه موتاً
هنا ، حكاية نشّار الأجساد
هنا ، فاس المجد
هنا ايضاً اسطورة الجلاّد
IV
قَدَر حامل بولد ، متشح بالرماد
مخبر لمعرفة تشريح الجلد في عمق الصحراء
وكلاب مدرّبة على أرشفة الدم
في الطرف الآخر من " الحامية "
بعد سور وهم الوطن ، هناك جيوش من الرمال
قشور صغار ولدوا في الطريق
وأمام قشّار آخر ، يولد وحيد أول ثان
داخل قمامة تراثية للتنكيل
يصعب نحت الأسماء على الرمال
والأُم ، تذوب في الآلام
لا إسم غير " ريبوار "[3] ، المسافر
ما أسهل الولادة في القمامة
ما أصعب التسمية في الصحراء
V
بين عرس وعزاء مؤجل
تقشير الأطفال وحقول الأرامل
تراتيل سياسية وأبواب نقرة سلمان
وناثرة وكر الحجاز لا يخيل لها الإيمان
لا تقلب الصغير
فهو يحلم بخيارة تشبه خضار أمسه
عناقيد عنب تشبه صدري
لا تتوغل في روحي أكثر
سأدفنه بنفسي هنا قرب شقيقته
صراخ واحد يكفي ، يترأى للحجاز
وناب المؤرشف يطلق عنانه
حكاية أُخرى من تخشّب الروح
وقشرة برتقالة أُخرى ترسم اول الليل
تلبس نقرة سلمان عباءة الجريمة
نقرة سلمان وطن للدبغ
أسيرات وكر الوطن ، الحامية
ولادة إسم آخر على الرمال ، هاوار[4]
الصراخ ، مولود جديد
يتقيىء من القابلة ، لا بل من القابل ويحك كفّ أُمه
لا يربطه شريط السرة بالعالم
بعدما قطعه الحجاز بحربة المجد
والأسيرات يتوغلن في فهرنهايت النقرة
نريد شاهداً على الإسم
قابلة تفوح منها رائحة القرنفل
لا تجتاز الإستغاثة السور الرملي
تستنشق الظهيرة من رطوبة فم هاوار
ياألله ، ضع يدك على جبيني
جرّد هذه الحربة من القشّار
الظهيرة مرة أخرى
تنشف دم الولادة ، تزحف نحو قدميهما
يموت عشرون اصبعاً ويتوسل عشرون آخرون للبقاء
أربع اياد غير ناقصة في قبر ينقصه التاريخ
منزلاً يعج بجلد الأحياء
وحفرة تعج بكرويات حمراء
و" إيمان "[5] تترك العتبة لزيارة أُخرى
و"ناي" أبيها لشتلة ريحان تيتمت مبكرا
ًكن حذراً يا أبي
هذه الحفرة عميقة جداً
لا تشبه قبورنا القديمة
أراك تخبىء موتك مني
وهذا الحفّار يسيل منه الرمل
يُقشر جلد رأسي ، ولكنك لا تراني يا أبي
لأن الصدأ يغطي الهواء
جدار من الجثث يفصل بيننا
والصغير " تيمور"[6] يعاند ناثر الجلود
يتسلق بخيوط آخر النهار
آخر الزمن
خيوط القيامة تنسج ثوب الزحف على تلال من السكاكين
خيمة لتعداد الأيادي وخصلات الشعر
يتقافزعلى موته ويعد
جثة ، اثنتان ، عشرة ، مآئة
وهذه "حلاوة "[7] عانسة الأمس
كم سجادة نسجت لنا
وبيوت طينينة أغرقتها في الألوان
تتخشب أعضائه ، لكن سيرة الدم تسحبه للتسلق بتلال رملية
من يجمع ذاكرة "تيمور"
من يفض الغبارعن النجاة
غبار تاريخ ههنا ، حجاج وحجاز[8] وباقر
وجيوش رملية تعبر جحور مقدسة
متاريس من الأحذية الرملية بجانب المقابر
لا أثر للخيانة مادام الوطن يضمن كل هذه الجثث
كل هذا التاريخ من تعداد الرؤوس
"لقد أينعت الرؤوس وحان قطافها"[9]
كن حذراً يا تيمور
دمك يلون خريطة جديدة للوطن
لم ينج صاحبك من واجب الجندي الأخير
لقد بقيت وحدك
وهذه الصحراء لا تلوح لأفق ما
كلاب الحجاز لا تزال تؤرشف الدم
VI
يحفر الجميع قبر جميع آخر
وقاطرة المياه ترش الملح على جروح البقايا
لا أثر للتمرد مادام الليل لا ينقصه الحفارون
طلقة واحدة
حفرة واحدة
ليلة واحدة
صحراء مجردة من العقاب
تدفن ما بوسعها من الأحياء
تأخر الأموات بالوصول إلى هنا حيث التاريخ
وقامات بلا رؤوس
هنا ، همس الحلاج في أُذن قاتليه
" أنا الحق " ولاحقه الفأس
هنا أيضاً زرع الحجاج سيوف لماعة ووصايا المعلم
بين الأمس والغد
آلام غير منقوصة
أجساد مرمية على أسمائها
حفرة لتواريخ الولادات وأُخرى لفاكهة لم تقطف بعد
دبغ وصيانة العظام
وضحية سكينة المعلم
تأخذ معها ما لديها من الوشاح والإيمان
قبر واحد يكفينا
ليس لنا لهذا الموت إلا تاريخ واحد
يحتفظ الحبيب المختفي بيوم آخر
يعود لعزلة النهر ورائحة شواء الحجل
منفياً مع حكايات البرتقالة الأولى
أصابع رجل متهم بسرقة السعادة
لا يعرف شيء البته
أرض معمرة بالمقابر
ذاكرة مهترئة
وجسد تحجّر في طريق العودة
يركن فيه حزن حب عبثي
ترك التراب وقصص النجاة خارج الزمن
عاد إلى الواحة ، حيث العزلة
وذاكرة ملأى بالجثث
رأس على طبق وآخر فوق حصان حديدي
ووطن " الحنطة " يعج بقامات مزروعة في أسوار رملية
هناك يد مشرّحة
الجلد جانباً
بياض العظام يلمع
لا دم يسيل
ولا خطوط الكف تشيرإلى عمر النبي
انها مجرد يد
تنتقل بين مختبر الكيمياء والتاريخ
تجمع ما بقي من الأظافر
يد ، شرّدت منها الشرايين ، والشعر الكثيف
تساقط في أول الرحلة
يد تتحرق إلى ملامسة جلدها
ليل طويل وسماء الصحراء
تمتلىء بصراخ إيمان مفقود
والسيوف تخترق سقف الروح
انها ليلة تحليل دم الجميع
VII
في آخر الدنيا حيث أُقيم
يُذكِّرني صديق لم أره قط ويقول
ماذا رأيت في ذلك العام
أصف له ما فقدته من جلد الأصابع
أصف له ذاكرتي المبعثرة بين آخر أرامل القرن
هذا الكيميائي لا وكر له غير مختبر في الصحراء
وزوجة مطلية بالسواد
أصف له سيماء عاملة المختبر
وطقطة عظام آخر المُشَرَّحين بين يديه
الموت لا يوصف ، تشريح تاريخ طلقة في الرأس
يحتاج إلى حلاقة " الأُم الحنون "[10]
كيف أروي لك السقوط
الدم
الطمر
وأزيز كل تلك الطلقات الصدأة
هذا الجغرافيُ العارف بالقبور، هو الآخر
يبتلع برتقالة كاملة
ويحلق ذقنه بلا مرآة
يحرق كتب الاخبار والكيمياء والطب
ويواصل رحلته نحو الحفرة الأخيرة
لا يقول شيئاً البته
ويدفن أسرار حلاقة رؤوس ممتلئة بالرصاص
ينزل طعم رغوة صابون الكيميائي من فوق
يتفرط في آخر لساني وأُسقط
في ذلك العام ، اجتمع الدباغون والجغرافيون والكيميائيون
أكلوا لحوم وفواكه الموسم
وخزنوا ما بوسعهم من روائح أجساد مقشرة
بين حفرة وغشاء حنون ومختبر في صحراء ، طلقة واحدة .
VIII
صديق لم أره قط
ويختار لموتي عنواناً
" رأس على طبق "
لماذا تذكر هذه الجملة
هذي الحادثة الأخيرة في تاريخ دم ولد سال من أبيه
وأنا أسير في جسدي كأعثر
أرتطم بكل شيء تجمعه ذاكرتي
شجرة توت ههنا ، هناك قرب جثة آخر الآباء
وخرتوش حفر لي تاريخاً
وزينة حصان غير صدأة
تخونني أي حركة وتصطدم الأصابع بذكرى إيمان
وأسفار جيوش قادها فلكيون مجهولون
آثار ربيع كامل من سحل الجثث على الرمال
إذاً ، مُحقٌ هذا الأعثر في إعترافه
هو ، موعد مع عرسِ دمٍ آخر
ليلة مدججة بالراقصين وبالقتلة أيضاً
ومع عريس ترآى له
الحب الأول
الربيع الأول
الحلم الأول
في الزواج الأول
لئن أصبح مُلتَقَماً ، مُشَرَّحاً ، مُنثَنياً على ضجيج الحفّارة
بقي جلده متروكاً لدبّاغ مرّ من هنا
صار يميل لتلاش كُليّ ، يتوق لربيعه الوحيد
عرس الوحيد الأول
لا تنظر إليَّ هكذا وارم سكاكينك الحادّة
أُدفنها معي ، فقبرٌ و وحفرة للصدأ
هذه المهلة الأخيرة لملاقات الأموات
ضع صورة لك هنا ، قرب غرف الفلكيين والمؤرخين والجغرافيين وامش
سأتذكركم جميعاً في سيلان دم أبي
أحفر لكم إسماً يليق بعزاء طويل ، وحُجر لإنتحار آباء آخرين
أنت ، يا له من صدأ يحمله تاريخك
وأنا المُعترِف الأخير ، كدت أن أعثر على نهاية الليل
لم أكن أعثراً
لكني اصطدمت بأسماك مُقشرة ، مرمية بين الحُُفر
أصداف مُسَقَّفة على الدم والشعر الأسود
حفلة " سمك مسقوف " في اول ليلة موتي
تعبر جيوش عربية حدود أشلاء مفتتة
تظهر عاملة المختبر قبل الكيميائي
وتبدأ فرضيات العلوم والتاريخ والجيوش
تختفي اللغة والصراخ والجثث في ضجيج الحفّارات
وأختفي أنا
IX
في نهاية الحُفرة وأولها
سقوط إرتجالي للألوان ، الأحمر إستثناءاً
البنفسجي يسقط ، والأخضر والأصفر والأزرق والوردي
ويطول عمر الأحمر ، يسيل من الجميع
الفوق ، فسحة للتعداد وأرشفة الأسماء
التحت ، عالم لدفن بقايا الجسد
كل طلقة تخترق " الأم الحنون" ، ترتجل طلقة أُخرى
وهكذا يرتجل القتل ذاته
انه إفناء إرتجالي
X
في ليل " السماوة " الأخير
اقترح العارفون على الكيميائي
مقابر برّية غير بارزة ، بلا شواهد
ولكن نهود كل تلك النسوة اللواتي دفنن هناك
أصبحت شواهد ألوان
سقطت في دم غزير ولم تهترأ
جثث أُشبعت من طقطقة عظامها و ... يا إلهي
وضجيج زحف التراب نحوها
XI
وراء خطى العلماء العملاقة
تجمع عاملة المختبر ما تبقى من وحل أحمر
تلهث وراء روايات الجندي الأخير
والفلكيون ، يتركون الابراج والقشور أينما كانوا
حركة النجوم تصادف الليلة ذاتها
المكان ، " السماوة " دوماً
هناك ، على بعد عاصفة رملية
سورٌ من أشلاء التاريخ
وصناديق عتيقة من صور غير تذكارية
تطويق الميت بجوعه
المكان ، " نقرة سلمان " دوماً
بين المكانين / المقبرتين
جيوش من الرمال
صورة سوداء للقتيل الأول
والأخير ، لا يعرف انه الأخير
تسقط أحلامه وألوانه قبل غربلة الأصابع
وتستمر فرضية العلماء في الحلاقة
إبراهيم : لم ير إلاّ ليلة واحدة من حفلة عرسه وأُعتقل مع عروسته في بداية نيسان 1988 من قبل جيوش صدام خلال عمليات الأنفال [1]
بارق عبدالله الحاج حنطة : أحد قواد عمليات الأنفال في كردستان عام 1988[2]
/ ريبوار / إسم كردي يعني المسافر[3]
/ هاوار : الصراخ[4]
/ إيمان: بنت عمي محمد أنفلت عام 1988 مع أبيها وأمها وأخيها الأصغر منها سليم وهي لا تتجاوز ثلاث سنوات[5]
تيمور : نجا من عمليات القتل الجماعية في جنوب العراق بأعجوبة في العام نفسه ولاذ بمنزل أحد القرويين الجنوب وأصبح راوياً لحكايات الموت[6]
حلاوة : نساجة السجادات في كرميان وكانت تلون غرفنا من خلال سجاداتها بمهارة فنية عالية[7]
الملازم العسكري حجاز : مسؤول سجن نقرة سلمان عام 1988 وكان قاسياً ووحشياً مع المؤنفلين ويعطي جثث الموتى للكلاب[8]
" لقد أينعت الرؤوس ووحان قطافها " جملة مشهورة للقاتل الحر الحجاج بن يوسف الثقفي[9]
/ الأُم الحنون: هي طبقة خفيفة ولينة تغطي الدماغ الإنسان[10]

No comments:

Featured Post

ندرة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث ...